د. رياض نعسان آغا: ما جدوى الاهتمام بالتراث؟

د. رياض نعسان آغا- حوار الأفكار

لا نريد أن تكون دراستنا لتراثنا نوعاً من السياحة الثقافية التي قد نكتفي فيها بالفرجة على ما فعل  الأقدمون دون جدوى   ، ولا نريدها نوعاً من التعويض النفسي لعلاج ما  نعاني منه من شعور بالتقصير وبالتراجع عن دورنا الحضاري ، وإنما نريد لدراساتنا أن تقدم لنا وللبشرية إضافات معرفية ، فالعالم اليوم يجهل في جله ما قدم العرب والمسلمون من مساهمة حضارية ذات شأن كبير في التقدم العلمي الإنساني ، بل إن الكثرة المطلقة من العرب أنفسهم ومن أجيالهم الشابة بخاصة ، يجهلون دورهم التاريخي في صنع الحضارة الإنسانية ، ولقد قرأت بأسى كبير مداخلات وتعليقات قدمها بعض من كبار الكتاب العرب  ، يقللون فيها من شأن أمتهم ، ويظنون أن تاريخها القديم سير من حروب أهلية على غرار  داحس والغبراء ،   وخصومات قاتلة على كرسي الحكم ، وأقاصيص عن الترف بين الجواري والحسان ، فأما انجازها الإبداعي فهو بضع  قصائد في المديح أو الهجاء ، والغريب أن بعض حكماء الأمة من الذين فتنهم الغرب حتى تضاءلوا أمامه ، أنكروا على الأمة شعرها قبل الإسلام ، ولم يروا لها دوراً حضارياً يذكر ،  بل إن بعضهم لم ير للعروبة كلها مكاناً في التاريخ وبات يشكك بكون العرب أمة واحدة ، لها خصائص وسمات ، ولسنا ننكر أن في تاريخ أمتنا حروباً  ونزاعات شأنها في ذلك شأن كل الأمم ، ولا ننكر أن الصراع على السلطة والحكم أضر بتاريخها كما أضر بتاريخ كل الأمم ، ولسنا ننكر كذلك أن الأمة غرقت في الترف في بعض مراحل تاريخها ، لكن هذا لم يكن التاريخ كله ، فأما الشعر فقد كان ديوان العرب حقاً ، ولكنه لم يكن الإنجاز الحضاري الوحيد ، بل إنني أراه أقل إنجازاتها براعة وقوة ، وسأوضح رأيي  في موضعه ، وحسبي هنا أن أقول إن أهم إنجازات الأمة كان في ميادين العلوم ، ولكن فنون الشعر والخطابة والكلام و القص أحب إلى الناس ، وأسهل في التداول ، وقد يكون فيها من الطرافة والظرف ما يجعلها مادة لطيفة لتبادل الأحاديث بين الناس في لقاءاتهم وجلساتهم ، ولعل هذا هو سر احتفاء الأدب العربي بفن الخبر ، وقد ترك لنا الأقدمون مؤلفات ضخمة فيه ، من مثل أمالي أبي عبد الله القالي ، ونوادره ، ومن مثل العقد الفريد لابن عبد ربه الأندلسي ، والكشكول للعاملي ، وسوى ذلك كثير ، لكن الأبحاث العلمية الجادة العميقة والمتينة ، بقيت ضمن اهتمامات النخب المثقفة المتعلمة أو العالمة ، وهي على الغالب دراسات تصلح للتأمل  والتمعن أكثر مما تصلح لتجاذب الأحاديث العامة ، ولذلك نجد الحطيئة وبشار بن برد وأبا نواس وأمثالهم أشهر عند العرب من جابر بن حيان ومن محمد بن موسى بن شاكر ومن ثابت بن قرة ومن البتّاني وأمثالهم ، ومن يتأمل عظمة ما أنجر هؤلاء العلماء وأقرانهم للأمة بل للبشرية كلها سيشعر بالأسف الشديد لكونهم مغمورين عند قومهم لا يعرفهم سوى أولي العلم   والمعرفة   .

إن هدفنا الأول من دراسة تراثنا  هو إضاءة الجوانب الغفل من تاريخنا الحضاري  ، والتعرف إلى حجم وأهمية ونوع المساهمة العربية والإسلامية في صنع تراث الإنسانية ، والهدف الثاني هو فحص هذا التراث ، وبيان ما ينبغي الحفاظ عليه منه ، وما ينبغي كشف زيفه ، فقد تسلل إلى تراثنا من التلفيق و الأكاذيب ما بات عبئاً على الأمة من عبث العابثين ، ومن تطرف الجاهلين ، ومن دسائس الحاقدين ، وأما الهدف الثالث فهو إثارة روح البحث العلمي عند الأحفاد ، ونحن نريد لهم أن يستعيدوا ثقتهم بالعقل العربي ، وبقدرته على الإبداع والكشف و الاختراع ، وينبغي أن نؤكد على توعية الأجيال بأن مهمة البحث العلمي عند العرب هي من جوهر رسالتهم الإسلامية والحضارية ، وهي المهمة  التي منحتهم المكانة عبر التاريخ كله حين قاموا بأدائها بشكل جاد ، فقدموا للعالم مساهمة متينة نهضت عليها علوم الحضارة التي تنعم بها الإنسانية  اليوم .

ومن الضروري أن تستعيد الأجيال الشابة استقراء تجربة الحضارة العربية الإسلامية ، لتتأمل منهجها الذي مكنها  من استيعاب ثقافة كونية سبقتها ، حيث كان العقل وحده هو المرجعية التي يحتكم إليها البحث العلمي .

وإذا كان الفهم الضيق للدين يحول اليوم (كما يقال  في أروقة النقد الفكري )  بين العرب وبين الإقبال على خوض تجربة عقلية خالصة  تستوعب الحضارة الكونية الراهنة ،  وتعيد إنتاج خصوصية عربية إسلامية فيها ، فلننظر كيف تعامل المسلمون المؤسسون من موقع عقلاني مع ثقافة عصرهم ، وسنجد أن السمة الأولى  لمنهج الأوائل وهم أقرب منا إلى عهد الرسول (ص) وصحابته ، هي الانفتاح الواسع على الآخر ، دون النظر إلى عقيدته وفلسفته وعبادته ، فحسبه أن يحترم قيم المسلمين كما يحب أن يحترم المسلمون قيمه .

وأما تأكيدي على إسلامية الدور الحضاري لأمتنا إلى جانب عروبته ، فهو إنصاف للحق ، فليس في تاريخنا ما يمكن أن نطمئن إلى كونه حضارة عربية متكاملة خالصة ، لأن العرب أفادوا من كل حضارات الشعوب التي قدمت من قبلهم ومن بعدهم مساهماتها التاريخية الهامة ، مثل أهل الهند والصين ، ومثل الفراعنة  و الإغريق والرومان ، وكثير مما قدم أهل اليونان والرومان  كان من إنتاج الشعوب الكنعانية (الفينيقية )  السورية التي قدمت من الخليج العربي أو من شبه الجزيرة العربية ، وهي تنويعات من قبائل وشعوب كنعانية عربية  تعددت أسماؤها ، ولكنها جميعاً تنتمي إلى سلاسة  واحدة .

ولقد أشرت في غير موضع إلى الدراسات التاريخية التي تؤكد أن الكنعانيين عاشوا في شبه الجزيرة العربية وسواحل الخليج العربي ،  وهم أموريون ، لغتهم الكنعانية عربية خالصة ، وكلمة (كنع )  تعني الأرض المنخفضة ، وحضارتهم الفينيقية حضارة عربية في كثير من تنويعاتها ، فأما امتزاج العروبة بالإسلام بعد ظهوره ، فهو حقيقة لا ينكرها أحد ، حيث أتيح لهذه الأمة أن تصبح أماً لكل الشعوب التي دخلت الإسلام ، وتعربت بلغة القرآن الكريم ثقافة وعقيدة ، فأما الذين احتفظوا بعقائدهم من غير المسلمين بل من غير أهل الكتاب ، فلم يضيق عليهم أحد ، ولم يصادر حرياتهم حاكم مسلم  ، بل  وجدوا احتراماً وبلغوا مكانة عالية عند الخلفاء والفقهاء والدارسين وعند مجموع المسلمين الذين  لم يعرفوا التعصب أو الانغلاق الديني والفكري ، ولم يؤثر انتماء أحد  إلى دين أو عقيدة غير الإسلام على موقف المسلمين المتنورين منه . وسأجد المثال الأقرب عند عالميْن لم يكونا من أهل الكتاب ، بل كانا صابئين ، هما ثابت بن قرة والبتّاني .

ولقد أطلق الغرب على (ثابت بن قرة )  لقب   إقليدس العرب  ، وقد ولد هذا العالم الكبير في القرن الثالث الهجري ، وهو عصر القوة والمنعة العربية ،وكان موقع ولادته شمالي سورية في منطقة تسمى حران ، وكانت تقيم طقوسها الدينية المجوسية دون أي اعتراض من دولة الخلافة العباسية ، 

وكان ثابت صيرفياً ، وعالماً يتقن عدة لغات ، أتاحت له اطلاعا واسعاً على علوم اليونان والرومان والفرس والصين والهند، وقد أنكر على قومه الصابئة أشياء من معتقداتهم ، فمنعوه من دخول الهيكل ، فخرج من حرّان إلى ( كفر توثا ) والتقى العالم العربي الشهير  محمد بن موسى بن شاكر فعرف مكانته ، و اصطحبه إلى دار الحكمة في بغداد ، وكان ابن شاكر قد تولى رئاستها ، وهو أحد ثلاثة أشقاء علماء بهروا العالم بما قدموا للبشرية من علوم ، وقد عرفوا باسم أولاد موسى بن شاكر، وقد قربوا ابن قرة منهم  لعلمه الموسوعي وقدموه إلى الخليفة، فصارت له حظوة ومكانة في البلاط ، ولم يجبره أحد على أن يدخل في الإسلام ، ويقال إنه دخل الإسلام فيما بعد اختياراً منه ، فقومه الصابئة لهم معبد وهيكل تحميه الدولة ، ولا يتدخل في شئونه أحد من المسلمين .

إننا نشير  إلى ثابت وإلى البتّاني لنؤكد حقيقة انفتاح الثقافة العربية على العلم وعلى الإنسانية في رحابة كانت الحضن الدافئ الذي نمت فيه حضارتنا ، ولولا هذه السعة الفكرية والعقلية التي منحت الإبداع والبحث حرية مطلقة لما تمكنت حضارتنا من تحقيق ما أنجزته على صعيد عالمي ، وسنتابع حديثنا عن خصائص هذا التراث الغني ، وعن سمات هذه الحضارة ، عبر استقراء النماذج الكبرى  التي ما تزال حية في عقل البشرية ، وهذا الاستقراء هو الذي سيقودنا بوعي أكبر إلى فهم جدوى دراسة التراث  .