حكايات السحر والجمال حول أفريقيا في كتاب عمره مئة عام

حوار الأفكار- محمود عبيد- العرب اللندنية

كتاب “بالسفينة نازبرور حول القارة الأفريقية” للأمير المصري يوسف كمال، الذي صدر في القاهرة عام 1928، يمثّل إضافة حقيقية لأدب الرحلات، ومنعرجا حاسما في نمط الكتابة شكلا وموضوعا، ذلك أن هذا النوع من الأدب في العالم العربي، ظل منحصرا لفترات طويلة في الحديث عن القارة الأوروبية بسبب الانبهار الذي يفسره ابن خلدون باقتداء المغلوب بالغالب. لكن المؤلف وكتابه الموسوعي غيرا بوصلة السفر والأدب بالحديث عن ثقافات وحيوانات وحكايات ساحرة عن القارة الأفريقية خلال فترات الاحتلال. كما يمكن الاعتماد على الكتاب كوثيقة تاريخية وجغرافية نادرة فهو يسمي البلدان الأفريقية وينسبها إلى المستعمر الأوروبي الذي كان يحتلها آنذاك مثل البلجيك والطليان والإنكليز والفرنسيين، وهو بذلك يمكّن الباحثين المعاصرين في مجال الأنثروبولوجيا من ربط الطبائع وطرق العيش لتلك الشعوب بالثقافات الوافدة التي تفاعلت معها. كتاب الأمير يوسف كمال، يأخذ خصوصيته من عوامل موضوعية وذاتية متداخلة، فهو يرصد الحياة البرية والبشرية بعيني رجل استثنائي، ذلك أن المؤلف أمير من عائلة عريقة فهو من أحفاد محمد علي باشا، ومولع بالصيد والقنص، ويقدم معلومات دقيقة عن أنواع من الحيوانات النادرة، بالإضافة إلى الحياة الاجتماعية والمعتقدات الدينية السائدة في تلك المنطقة التي يتعامل معها العالم بصورة نمطية تستند إلى معطيات نفعية بحتة

أطل الأمير يوسف كمال، المولود في القاهرة 1882، والمتوفى في النمسا سنة 1969 على المشهد الثقافي العربي من جديد، من خلال قصة مشوقة ألفها المصري باسم عادل، بعنوان “1935”، قدم فيها المؤلف شخصية الفتاة “بتول” التي تتبع كُتب وحكايات ونوادر الأمير يوسف كمال في كل مكان. وفي الرواية إشارة سريعة لكتاب “بالسفينة نازربور حول القارة الأفريقية” الصادر عام 1928 ولم تتم طباعته مرة أخرى.

رحلة “بتول” للحصول على الكتاب طافت فيها المكتبات الكبرى في القاهرة، ودار الكتب، وهواة جمع التراث، ولم تصل إليه، وهي نفس الرحلة التي خاضتها “العرب” للحصول على نسخة من الكتاب دون أن تصل إليه.

كان الأمير يوسف كمال أهدى مكتبة ضخمة تضم خمسة آلاف مجلد إلى دار الكتب المصرية قبيل ثورة يوليو 1952، غير أن كتابه نفسه لم يكن ضمن المجموعة الخاصة به، وهي حتى الآن محظور الإطلاع عليها، نظرا إلى سوء حالتها وخوفا عليها من التلف.

اكتشف بعض الباحثين المصريين في مجال التراث وجود نسخة من الكتاب في المكتبة العامة بجامعة نيويورك، واطلعوا عليها، وقام بعضهم بنسخه لإتاحته للباحثين في مجال الجغرافيا والتاريخ، وحصلت “العرب” على نسخة منه. وبفعل الزمن بدت صفحات الكتاب صفراء، والصور الفوتوغرافية العديدة التي تضمنها باهتة وأشبه باللوحات المرسومة وثمة كتابات بالقلم الرصاص تمثل ملاحظات مقتني الكتاب.

حمل كتاب “بالسفينة نازبرور حول القارة الأفريقية” للأمير المصري يوسف كمال الذي صدر في القاهرة عام 1928، رؤى نادرة عن أدب الرحلات الذي ظل منحصرا لفترات طويلة اتجاه الحديث عن القارة الأوروبية المبهرة. لكن المؤلف وكتابه الموسوعي غيرا بوصلة السفر والأدب متحدثا عن ثقافات وحيوانات وحكايات ساحرة عن القارة الأفريقية خلال فترات الاحتلال من قبل دول أوروبية كثيرة.

الأمير يوسف كمال: المؤلف وكتابه الموسوعي غيرا بوصلة السفر والأدب بالحديث عن ثقافات وحكايات ساحرة عن أفريقيا خلال فترات الاحتلال
الأمير يوسف كمال: المؤلف وكتابه الموسوعي غيرا بوصلة السفر والأدب بالحديث عن ثقافات وحكايات ساحرة عن أفريقيا خلال فترات الاحتلال

ظلت أفريقيا كتابا مغلقا أمام العقل العربي عقودا طويلة بسبب اعتقاد ساد لدى كثير من المثقفين، مفاده أنها أكثر تخلفاً وبؤساً وفقراً من أن يُلتفت إليها. ولم يكن غريبا أن يظل عقل المفكرين والرحالة العرب في العصر الحديث مشدوهاً بالشمال الساحر المتمثل في قارة أوروبا تحقيقا لمقولة ابن خلدون الشهيرة بأن “المغلوب مولع بتقليد غالبه”.

من هنا يكتسب كتاب “بالسفينة نازبرور حول القارة الأفريقية” للأمير المصري يوسف كمال أهمية كبيرة، ويمثّل سبقا في قراءة واقع وطبيعة وجمال القارة الأفريقية من خلال معايشة حقيقية مباشرة استمرت عامين قضاهما الأمير متنقلا بين إريتريا والصومال والكونغو وكينيا وتنجانيقا (تنزانيا) وغيرهم، متتبعا سحر الطبيعة وتقلبات الطقس وغرائب الحيوانات والكائنات.

تكمن أهمية الكتاب في كون أنه يقدم الخرائط المبكرة لحدود الدول الأفريقية قبل استقلالها، وقبل تغيّر أسماء الكثير منها. فضلا عن تقديمه وصفا دقيقا لكثير من الحيوانات والكائنات التي تموج بها غابات القارة السمراء، وانقرض بعضها حاليا.

يمثّل الكتاب أول إطلالة عربية شاملة وتفصيلية في العصر الحديث حول طبائع وعادات الشعوب الأفريقية، بما يؤكد أو ينفي كثير من الشهادات السابقة للرحالة الغربيين هناك.

يُضاف إلى ذلك أن الكتاب الصادر عن دار الكتب المصرية منذ تسعين عاما، لم يُطبع مرة أخرى، لأنه لم يكن محل اهتمام وقت صدوره في ظل استخفاف الجمهور برحلات الأثرياء، وتركيز الاهتمام لدى الجمهور المصري بقضية الاستقلال الوطني منذ ثورة 1919، وقضايا الاستقلال في العالم العربي.

يمنح الكتاب فكرة سريعة عن روح المغامرة وعشق السفر والسياحة لدى طبقة الأثرياء المصريين، الذين يمثلون جانباً من الأسرة المالكة وكبار الملاك في ذلك الوقت. وكانت هذه الطبقة على درجة عالية من العلم والمعرفة وحب الاستكشاف، ما يتناقض مع طبقة الأثرياء الحالية التي لا تكترث كثيرا بالثقافة والمعرفة.

المتتبع لسيرة الأمير يوسف كمال، يعرف أن جده لوالده هو أحمد باشا بن إبراهيم باشا بن محمد علي، وصُنف كأغنى رجل في مصر سنة 1934، وقدرت ثروته بعشرة ملايين جنيه في ذلك الوقت. وكان الرجل محبا لعلم الجغرافيا والفنون، وقام بترجمة عديد من كتب الرحالة من اللغة الفرنسية إلى العربية.

وطبقا لكتاب “صفوة العصر في تاريخ مشاهير مصر” لزكي فهمي، كان الرجل محل أساطير عديدة، خاصة في الصعيد (جنوب مصر)، وكان يمتلك فيها عدة قصور، ويعلق على أسوار قصوره رؤوس ضباع وأسود وحيوانات مفترسة قام بصيدها من رحلاته وحنطها بعد عودته.

كان الرجل مولعا بالسفر والرحلات وأعد أطلس خرائط باسمه، وصاحب فكرة إنشاء مدرسة الفنون الجميلة. وفي عام 1932 تنازل عن لقب أمير احتجاجا على قرار الملك فؤاد ملك مصر والسودان (1920 – 1936) بسحب لقب “أمير” من عباس حليم الذي كان على خلاف معه. ورحل عن مصر بعد ثورة يوليو 1952 فُرضت الحراسة على ممتلكاته، فأقام في النمسا حتى وفاته سنة 1969 ودفن في القاهرة بناء على وصيته.

يروي كتاب الأمير البالغ عدد صفحاته 432 صفحة، رحلتين الأولى استمرت أربعة أشهر ونصف في الفترة من 20 ديسمبر عام 1924 وحتى أول أبريل عام 1925، وزار فيها إريتريا والصومال وجيبوتي وكينيا. أما الثانية فبدأت في يناير 1926 وامتدت لإحدى عشر شهرا، وزار خلالها الكونغو وتنجانيقا وأنغولا والكاب (جنوب أفريقيا)، وجزر الكناريا، ثُم جزيرة مالطة.

يتحدث الرجل عن كل دولة زارها مقرناً بها اسم الدولة المستعمرة لها، فيقول “الصومال الإنجليزي”، مفرقا بينه وبين “الصومال الفرنسي” (جيبوتي)، والكونغو البلجيكي، وتنجانيقا البريطانية، وإريتريا الإيطالية. لذا لا يستغرب القارئ اعتماده على كثير من المراجع الأوروبية عند الحديث عن جغرافيا أو تاريخ إقليم بعينه.

مشاهدات الكتاب ثرية دقيقة، وتعتمد التشويق إطارا عاما، تخلط بين المشاهدات المباشرة، والاستعانة بمراجع أجنبية، ويميل المؤلف إلى سرد حكايات الأسماء فيحدثنا مثلا عن البحر الأحمر وسبب تسميته بذلك، مرجعا الاسم تارة إلى لون الماء عند سطوع الشمس عليه، وتارة أخرى إلى قبائل الحمر في إريتريا. ويشير لباب المندب وإلى اكتساب اسمه على أساس أن المسافر يندب حظه إن وصل إلى هذا المكان المليء بالأخطار والصعاب.

في إريتريا، شاهد يوسف كمال بعض البراكين الهامة بعد خمودها بفترات وجيزة مثل بركان إنديرا وظل ملتهبا حتى عام 1907 وبركان دوبي الذي اندلع حتى سنة 1861، وغيرها من البراكين. كما يستعرض فصائل الحيوانات المفترسة والأليفة الموجودة في كل بلد من البلدان.

حاول المؤلف تتبع التواجد والأصول العربية في كل بلد، فيشير إلى وجود قبائل عربية عديدة في إريتريا، خاصة بني عامر، فضلا عن كثيرين ممن يدينون بالإسلام. وكشف أن أجزاء من إريتريا كانت تابعة للنفوذ المصري حتى سنة 1885، أي بعد احتلال بريطانيا لمصر 1882، ومنها مدينة مصوع التي احتلتها مصر سنة 1865.

رؤى نادرة عن أدب الرحلات
رؤى نادرة عن أدب الرحلات

ويتحدث عن الصومال فيشير إلى انقسامها إلى ثلاثة أقسام، قسم خاضع للإنكليز، وآخر لفرنسا، وثالث خاضع لإيطاليا. ونعرف من خلال المدن أن القسم الخاضع لفرنسا هو جيبوتي، والخاضع لإنكلترا هو وسط الصومال، أما جزء الإيطاليين فكان في الشمال.يلفت الكتاب إلى أن أهل الصومال ينسبون أنفسهم إلى العرب ويدعون أنهم من سلالة إسحاق بن أحمد الذي هاجر من حضرموت في القرن الثالث عشر الميلادي. غير أنه يؤكد أنهم أخلاط من عرب وأحباش وبوانيت “نسبة إلى بلاد بنت”، وأنهم “أهل بأس وحرب وكثيرا ما يقاتلون بعضهم بعضا، والذي يقتل رجلا منهم يسوّغ له أن يحمل ريش النعام على رأسه افتخارا”. ويتحدث عن لغة الصوماليين، فيقول إنها “مزيج من عدة لغات، منها العربية ولغة الدنكل ويرمونها بالأحرف العربية”.

وبشكل عام يتبع الصوماليون مذهب الإمام الشافعي، ولا يدخنون جميعا ولا يتبادلون التحية إذا قابل بعضهم بعضا. ولاحظ أن النساء في الصومال الفرنسي “جيبوتي حاليا” عملن بجد في المزارع، والمهنة الأولى لهن هي استخراج عصير الصبار، وترتدي النساء هناك ملابس شبيهة بملابس الرجال.

ويحكي صاحب الرحلة بافتخار عن ذهابه للصيد في براري الصومال الفرنسي مستهدفا غزلان من فصائل نادرة مثل فصيلة “بلزن”. ويقول “رميته بالرصاص كرة بعد كرة حتى أصبته في الرمية الخامسة والعشرين فأرديته”. ويتابع في ذات الرحلة “ورأيت غزالا من فصيلة الغرنوق فأصدته”.

ويبدو ذلك الصيد مباحا في زمنه، ولم يكن ممكنا تقنين أوضاع المغامرين الأثرياء القادمين إلى بلاد أفريقيا لصيد الحيوانات المفترسة في ظل الاحتلال الأجنبي للبلاد.

يهتم المؤلف كثيرا بالتفرقة بين فصائل الحيوانات، حتى أنه يذكر سبعة أنواع للغزلان لا يعرفها إلا خبير محترف في الحيوانات. ويقص كيف ذهب في 28 ديسمبر 1924 في البراري بحثا عن غزال من نوعية “أسبيك” غير أنه لم يجد سوى غزلان بلزن. ويستمر بحثه يوما بعد آخر حتى يصادفه ويصطاده.

وكشف بعدها صفات مميزة للغزال أسبيك، مثل وجود كيس منتفخ بالهواء فوق أنفه، ويظل الكيس منتفخا مادام حيا فإذا مات يزول الانتفاخ. وهناك غزلان أخرى باسم “غرانت” و”تومسون” وغالبا ما تسمى بأسماء مكتشفيها من الرحالة الغربيين.

في كينيا، تابع المؤلف الحيوانات النادرة من فيلة وخراتيت وجاموس وحشي وتماسيح نهرية، قبل أن يحدث القارئ عن معشوقته من الحيوانات النادرة، وهي المها أو أبومخزومة ويحدد طول قرنها بنحو 20 بوصة.

ومن فصائل المها النادرة فصيلة تسمى “لوكوريكوس″ كان يوجد مثيل لها في غرب مصر وفي تونس، وهي بقر لها قرون معتدلة ويرتفع كتفها نحو المتر ونصف، ولها جلد أبيض قريب من الحمرة، وعلى الرأس توجد بقع سوداء تشبه الترقيط، وذنبها متوسط الطول. ويشير يوسف كمال في يوميات 4 فبراير 1925 إلى أنه وزملاؤه صادوا مها وتركوها ساعات وعادوا إليها فوجدوا عظامها ووجدوا آثار مرور أسود فعلموا أنها أكلتها.

في الرحلة الثانية انتقل الرحالة المصريون بالقطار إلى مدينة الأقصر (جنوب مصر) ومنها إلى وادي حلفا ثم توغلوا في السودان حتى وصلوا إلى الكونغو، والتي يحرص المؤلف على الإشارة إليها بإضافة صفة “البلجيكية”.

حمل كتاب "بالسفينة نازبرور حول القارة الأفريقية" للأمير المصري يوسف كمال الذي صدر في القاهرة عام 1928، رؤى نادرة عن أدب الرحلات الذي ظل منحصرا لفترات طويلة في اتجاه الحديث عن القارة الأوروبية المبهرة
حمل كتاب “بالسفينة نازبرور حول القارة الأفريقية” للأمير المصري يوسف كمال الذي صدر في القاهرة عام 1928، رؤى نادرة عن أدب الرحلات الذي ظل منحصرا لفترات طويلة في اتجاه الحديث عن القارة الأوروبية المبهرة

ولم ينس المؤلف أن يقدم الشكر إلى صديقه في القاهرة رجل الأعمال البلجيكي هنري نوس، مدير شركة السكر، لأنه سهل له من خلال علاقته بالحكومة البلجيكية الدخول إلى الكونغو.

أكد المؤلف أن الكونغو كانت تابعة للنفوذ العربي في مملكة زنجبار وحارب البلجيك هناك العرب، حتى استولوا عليها وحصلوا على تراخيص لاستخراج المعادن خاصة النحاس. وتنتشر في غابات الكونغو أنواع نادرة من الزرافات والفيلة خاصة “الفيل القزم”.

ولاحظ الأمير يوسف كمال أن النساء في الكونغو أكثر احتشاما من غيرهن في السودان الشرقي، إذ تحرص المرأة على تغطية نصفها الأسفل، بينما تتعرى النساء تماما في مناطق أخرى. وتحرص السيدات على لبس قبعات مصنوعة من القش لحماية رؤوسهن من حرارة الشمس.

تحدث المؤلف عن شلالات فيكتوريا واعتبرها أجمل شلالات في العالم، وقارن بينها وبين شلالات نياجارا، مؤكدا أنه لم يتوقع أن يرى مثل هذه المناظر الطبيعية الخلابة في القارة السمراء.

ويلفت النظر إلى كثير من الأشجار والنباتات النادرة فيحدثنا عن شجر يسمى الباوباب، ويسمى أيضا شجر الفلين في الهند، وهناك أنواع منها في السودان يطلق عليه “التبلدي” وهو مهدد بالانقراض حاليا.

ويحكي الأمير خلال رحلته بتنجانيقا، في 10 مايو 1926 عن عملية استخراج للألماس، ويشير إلى أنه حجر مثل الحصى البراق المتبلور له قيمة مرتفعة. وكثيرا ما يوجد في مجاري الأنهار ومنحدرات الشواطئ. ويقول أنه علم أن مقدار ما يستخرج منه في العام الواحد يبلغ ألف قيراط تقريبا.

وحفل الكتاب بصور متفرقة دلل بها الأمير على رحلاته ومغامراته في الصحراء، وظهر في كثير منها وإلى جواره رأس فريسة أو جثة حيوان مفترس، وغالبا ما يرتدي المؤلف وأصحابه ملابس وقبعات أوروبية.