40 فنانا من مصر والسعودية يصافحون المستقبل في معرض 2030

 

حوار الأفكار- شريف الرافعي- العرب اللندنية

يدور المعرض الجماعي “رؤية.. 2030″ المقام حاليا في غاليري “لمسات” بالقاهرة حتى الـ19 من يوليو الجاري، بمشاركة فنانين من مصر والسعودية، حول تصوّرات الفنانين للمستقبل، من خلال وعيهم بالحاضر، ومخزونهم البصري والمعرفي المعبأ بالبيئة المحلية والموروث الثقافي والحضاري، وهنا تكمن المفارقة بوهجها ودهشتها الطازجة.

يتخلى الرائي عن قياسات الوقت وخرائط المدن، وهو يتجوّل بين العصور والأمكنة الحقيقية والافتراضية في معرض “رؤية.. 2030″، فقد جاءت لوحات أكثر من أربعين فنانا مشاركا من مصر والسعودية كنوافذ للانطلاق خارج حدود اللحظة الراهنة والنقاط الأرضية الثابتة.

أن تكون هناك ثيمة محددة للمعرض الجماعي فإن ذلك يعني تقييد حرية الفنانين على نحو ما في انتقاءاتهم للأعمال المشاركة، وبلورة فكرة أو فلسفة معينة يمكن للمشاهد بلوغ منتهاها من خلال أطروحات الفنانين الثرية حولها، لكن هذا التحديد في الموضوع يمكن أن يسافر بالفنان والمتلقي في الآن نفسه إلى خيالات شاسعة كحال المعرض السعودي المصري المشترك المقام حاليا في غاليري “لمسات” بالعاصمة المصرية القاهرة.

وفي المعرض رحلة شيقة للألوان نحو مستقبل يتحرر فيه كل شيء من قالبه النمطي، ويواجه فيه الإنسان شبحا اسمه الإنسان.

أجيال وتيارات

انتماء الفنانين إلى أجيال وتيارات مختلفة، وبيئات مجتمعية متباينة، لم يمنعهم من الالتزام بثيمة المعرض الأساسية، فهناك اتساق وانتظام في فلك الثيمة بالمعنى الواسع العريض، حيث يطرح كل فنان بحرية تامة رؤيته الخاصة حول مستقبل لم يعد بعيدا.

القراءات المستقبلية، ليست مجرد تهويمات أو خيالات، إنما هي مصافحة واحتضان واشتباك، فالشجرة التي تتحرك ببطء نحو السماء، لها جذور ثابتة في الأرض، وأوراق وثمار في متناول اليد والنظر، لذلك فخطواتها وامتداداتها وتفريعاتها الجديدة قابلة للتوقّع.

وفي لوحتها المشاركة بالمعرض، تقترح الفنانة السعودية هناء ملاكا، إنسانا يعاني التشظي والوحدة وهيمنة الآلة وسطوة الحياة الرقمية، حيث ينقسم رأسه إلى شطرين، وتتسرّب من خلاياه المشاعر شيئا فشيئا، ويهاجر قلبه خارج جسده.

المستقبل القريب ضبابي في عيون هناء ملاكا، حيث يتعذر الإبصار وتغيب البصيرة، وتتحوّل الحياة إلى شبكة من الدوامات والألوان القاتمة، وتوازن الفنانة، المتخرجة من قسم التربية الفنية بجامعة أم القرى، في أعمالها بين التصوير والكولاج، مقيمة عالمها من الأنقاض والنفايات والنثارات.

وتحتمي الفنانة السعودية بدور العطاوي من المجهول، متدثرة بالأبنية التراثية والزهرات الصحراوية التي تتحدى الجفاف والجفاء في واقع يهدّده الخراب والدمار، وتطل النوافذ والمشربيات على خارج لا يثق به الإنسان القابع في داخله، المتشبث بموروثه الحضاري وثقافته الأصيلة بجذورها المحلية وقيمها الراسخة.

والبيت، في تجربة عضو جمعية الثقافة والفنون بالسعودية، امتداد نفسي للإنسان وفق مفهوم غاستون باشلار، وكلاهما، البيت وساكنه، يواجه تحديات العراء في المستقبل، ذلك الوحش الكاسر الذي لن يتمكن من زلزلة الأركان وهدم الدعائم إذا كانت هناك علاقة طيبة وطيدة مع الأرض.

تلمس المستقبل بحرفية وتقنيات متطورة
تلمس المستقبل بحرفية وتقنيات متطورة

ويلجأ الفنان المصري عماد رزق إلى الإحساس البدائي وقرون الاستشعار الفطرية لمعالجة وجوه البشر واستخلاص رحيقها الصافي من ملوثات العصر، ويقيم رزق علاقات متعمقة فوق مسطح اللوحة بين الملامح التراثية والشعبية لدى هؤلاء البشر، والأبعاد الفلسفية التي تعكسها، فكل إنسان تاريخ بحد ذاته، قادر على الصمود في المستقبل.

ولا تخطئ عين الرائي التجارب الحداثية للفنان المصري عادل بنيامين، وتقود الرؤية البصرية المعاصرة إلى تلمس المستقبل من خلال تلك الحرفية والتقنيات المتطورة في استخدام الخامات وتوظيفها وتطويعها، والاستفادة إلى أقصى حد من خصائص الألوان ودرجات الإضاءة والظلال، والمزج بين التصوير، والقص واللصق، والكولاج، في تكوينات متعددة الأبعاد، واسعة الدلالات.

الكائن والافتراضي

في المسافة بين الكائن والافتراضي، والحقيقة والخيال، تأتي أعمال الفنانين السعوديين ريما طيبة، وعبدالرحمن العريفي، وميساء مصطفى، وأميرة نور، وتصل اللوحات بين ماض وحاضر مجرّبين ومعروفين، ومستقبل في طور التشكل، لكنه ليس غيبيا ولا غرائبيا.

وتحضر الرموز والعناصر التقليدية للتراث المجتمعي والبيئة المحلية، ومنها الحصان، والعباءات الشعبية، والأبنية الطينية والحجرية، والنخيل، في مواجهة المشهد النقيض، بعمائره الأسمنتية الشاهقة، وأسلحته المدمرة، وأدخنته التي تحتل السماء.

أما حساسية الوجوه، ورهافة الملامح، ودقة القسمات، فيتخذها الفنان المصري محمد عرابي إشارات لإمكانية صياغة المستقبل من خلال الاحتفاظ بالخلايا الحية والجينات المميزة للإنسان خارج مدارات الاستقطاب.

وعلى جانب آخر، يلجأ نذير ياوز ونهار مرزوق (من السعودية)، وهنا حلمي (من مصر)، إلى التجريد، والترميز، لتلمس مستقبل يشوبه الغموض، فالأشكال غير مستقرة، والعناصر متحركة، متشابكة، متفاعلة، والتركيبات الجديدة المحتملة لا نهائية. وحتى نموذج الكعبة الشريفة، فإن الفن يخلخله ويحرّره من خلال مزجه بفيوضات انفعالية تعبر عن جوهر الإحساس بالشكل، وما يقود إليه الانفتاح على الطقس الكلي للمكان، دون التقيد بالأبعاد والنسب المألوفة، هكذا جرى التعامل مع جبال الصحراء، والنجوم والأقمار في السماء، فكأن المستقبل يحمل حالات جديدة لكل الثوابت.

وهذا الاستشفاف للآتي من خلال الراهن والماضي، يأتي بصورة جماعية في أروقة المعرض، هنا تتجسد فلسفة أخرى، وتتحاور وتتجاور الخلفيات الثقافية والحضارية للفنانين، وتفاصيل الحياة في البيئات المحلية المختلفة، جنبا إلى جنب مع تفاعل وتلاقي الأساليب الفنية وآليات التعبير ومذاهب التشكيل المتعددة، بما يعني حالة من الزخم والثراء والتواصل.