ثلاثة أسباب تعزز إمكانية إنهاء ترمب لـ«الحرب الأزلية»

لم يبدِ أي رئيس سابق عزيمة أكبر للفكاك من السبل التي أقرها أسلافه من الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترمب – وذلك بخصوص مجموعة متنوعة من القضايا؛ من التجارة الحرة إلى كوريا الشمالية إلى التعامل مع الحلفاء – وقد نجح في ذلك بالفعل. إلا أنه فيما يخص الحرب في أفغانستان، يسير ترمب، على ما يبدو، على النهج ذاته.
من جانبهما، أطلق الرئيسان السابقان جورج دبليو. بوش وباراك أوباما وعوداً كبيرة بخصوص المهمة الأميركية في أفغانستان، لكن بمرور الوقت اضطرا إلى خفض سقف توقعاتهما على نحو بالغ. ويبدو أن ترمب يسير على الدرب ذاته.
ومع مشاركتنا في قمة حلف «الناتو» التي سيناقش خلالها الحلف من جديد مشاركته في «الحرب الأزلية»، تحولت أفغانستان إلى «الحرب المنسية» في ظل رئيس أميركي آخر.
اللافت أن هذا النسيان بدأ مبكراً، ذلك أنه بعد وقوع هجمات 11 سبتمبر (أيلول)، أسقطت أميركا «طالبان» واجتثت جذور تنظيم «القاعدة» وأقرت حكومة تمثيلية. وتحدث بوش عن «خطة مارشال» لبناء أفغانستان مزدهرة وديمقراطية.
إلا أنه سرعان ما تلاشت هذه الوعود في مواجهة المتطلبات الهائلة لبناء الدولة داخل مجتمع عصفت به الحرب على مر عقود، إضافة إلى تحويل الإدارة مواردها واهتمامها اللازمة نحو العراق. بحلول الولاية الثانية لبوش، كانت الأوضاع في أفغانستان تتردى سريعاً، ولم يكن بمقدور القوات الأميركية فعل الكثير لإنقاذ الموقف. في هذا الصدد، شرح مايكل مولن، رئيس هيئة الأركان المشتركة أنه: «في أفغانستان، نفعل ما بوسعنا فعله. أما في العراق، فنفعل ما يجب علينا فعله».
بالنسبة لباراك أوباما، فقد تعهد بادئ الأمر بمعاودة الاهتمام بـ«الحرب الضرورية» الدائرة في أفغانستان، ودفع بنحو 60 ألف جندي إضافي إلى البلاد عام 2009 – 2010. ورغم موافقة أوباما على الدفع بهذه التعزيزات، فإنه شعر بالفزع إزاء التكاليف الباهظة لحملة مكافحة التمرد هناك، وبدأ يفقد الثقة بحكومة حميد كرزاي الفاسدة والمفتقرة إلى الكفاءة. بحلول عام 2011، بدأ أوباما بعدما شعر بصدمة بالغة إزاء حقيقة الوضع في البلاد، في عملية تقليص مستمر للوجود العسكري الأميركي في أفغانستان. وبحلول عام 2015 – 2016، تبقى في أفغانستان أقل من 10 آلاف جندي أميركي.
وجاء ترمب إلى الرئاسة. وعلى خلاف الحال مع أوباما، لم ينظر ترمب قط إلى ما يدور في أفغانستان باعتباره حرباً ضرورية أو تجري لأسباب منطقية، وأبدى ميله إلى إنجاز الانسحاب الذي بدأه سلفه، بل وأعلن عزمه على ذلك. ومع ذلك، نجح مستشاروه، خصوصاً مستشار الأمن الوطني السابق إتش. آر. مكماستر ووزير الدفاع جيمس ماتيس في إقناعه بصورة تدريجية بزيادة أعداد القوات الأميركية في أفغانستان بصورة طفيفة، على أمل القضاء على المكاسب التي حققتها جماعة «طالبان»، والإبقاء على ضغوط على الجماعات الإرهابية المتمردة بالبلاد. وبالفعل، أعلن ترمب في أغسطس (آب) 2017 أنه: «سنضغط من أجل إحراز النصر».
ومع هذا، فإنه ما كاد يبدأ في تكثيف الحرب حتى بدا أنه نسي أمرها. وحتى هذه اللحظة، لم يزُر ترمب القوات الأميركية في أفغانستان، ونادراً ما يتحدث في العلن عن المهمة الأميركية هناك.
وبذلك نجد أن أكثر الرؤساء الأميركيين غير التقليديين سقط في أسر التوجهات التقليدية التي أقرها أسلافه: بعد أن وعد بالنصر في أفغانستان، سرعان ما ألقى بالحرب برمتها إلى خلفية اهتماماته.
وقد استمر هذا النهج نتيجة تحول الحرب الأميركية في أفغانستان إلى حالة من التوازن الاستراتيجي والسياسي.
على الأرض، يتطلب هذا التوازن بذل مجهود كافٍ لضمان عدم الهزيمة، لكن مع عدم بذل ما يكفي لتحقيق النصر. وفي ظل ثلاثة رؤساء، وجهت أميركا الاستثمارات الضرورية للحيلولة دون اكتساح «طالبان» البلاد وعودتها إلى السلطة، وكذلك من الإرهابيين – «القاعدة» والآن «داعش» – من تحويل أفغانستان مرة أخرى لملعب لهم. ومع ذلك، رفضت أميركا في ظل قيادة ثلاثة رؤساء توجيه كامل الجهود والموارد اللازمة لسحق «طالبان» عسكرياً أو بناء حكومة أفغانية مستقرة قادرة على الاستمرار بعد الانسحاب الأميركي.
ونبع هذا التردد الأميركي من الصعوبة المستمرة لهذه المشكلات والتكاليف التي يتطلبها اتباع توجه حاسم تجاه أفغانستان، داخلياً وخارجياً، وهي تكاليف هائلة ستقوض أهمية المهمة وأهدافها. وعليه، فإنه رغم محاولة رئيس بعد آخر تغيير التوازن القائم داخل أفغانستان، انتهى به الأمر إلى الإذعان له.
وتعزز هذا التوجه نتيجة وجود حالة من التوازن السياسي كذلك، ذلك أن الأميركيين لم يبدوا لهفتهم لأن يوجه قادتهم مزيداً من الموارد والدماء إلى بلد نام في جنوب غربي آسيا. وفي الوقت ذاته، لم يرغب أي رئيس في أن يكون هو القائد الذي يصدر قرار الانسحاب من أفغانستان، ثم يرى البلاد من جديد تسقط في هوة الفوضى – وبالتالي يخلق إمكانية خلق تهديدات للولايات المتحدة.
إلا أنه في الوقت الذي تكمل فيه الحرب الأميركية في أفغانستان عامها الـ17، فإن التساؤل الذي يلوح بالأفق ما إذا كان يمكن للتوازن القائم الانهيار عند هذه النقطة أم لا. في الواقع، ثمة ثلاثة سيناريوهات منطقية ترجح حدوث ذلك.
أولاً: من الممكن أن تجد الولايات المتحدة نفسها في أتون مواجهة أكبر – بل وربما حرب مباشرة – أمام روسيا في البلطيق، أو في مواجهة كوريا الشمالية وبرنامجها النووي. ومن شأن اندلاع أي من الصراعين التهام موارد هائلة، الأمر الذي سيجعل المهمة الأميركية في أفغانستان تبدو رفاهية من المتعذر الإبقاء عليها. ولا يبدو هذا السيناريو، رغم خطورته الكبرى، مستحيلاً بالنظر إلى التوترات الكبيرة في المنطقتين وميل كل من الرئيس الروسي وزعيم كوريا الشمالية للإقدام على المخاطرة.
ثانياً: من الممكن أن ينهار دعم «الناتو» للمهمة الأفغانية. ومع أن للأوروبيين مصلحة في مكافحة الإرهاب في أفغانستان، فإن الدول الملتزمة بالمشاركة في هذه المهمة حتى الآن فعلت ذلك انطلاقاً من رغبتها في إرضاء الولايات المتحدة. إلا أن ترمب اتبع سياسات مثيرة للسخط تجاه حلفاء واشنطن على نحو قد يدفع بعض حلفائنا في «الناتو» في النهاية لسحب قواتهم وأموالهم من البلاد.
ثالثاً: قد يقرر ترمب ببساطة إنهاء المهمة. في الواقع من بين كبرى نقاط الاختلاف بين ترمب وكل من بوش وأوباما، أنه لم يبدِ قط أي حماس حقيقي إزاء المهمة العسكرية في أفغانستان. كما أنه أقل عرضة للتضرر من التكاليف السياسية للانسحاب نظراً لأنه يبدي منذ أمد بعيد معارضته لمهام بناء الدولة التي تستغرق فترات طويلة. وعليه، فإنه إذا قرر ترمب أن الولايات المتحدة لا تقترب من إحراز «النصر» في أفغانستان، فإنه قد يقرر نهاية الأمر أن الانسحاب الكامل من جميع الاستراتيجيات والالتزامات التي ورثها عن أسلافه هو المسار الصحيح.

– هال براندز- الشرق الأوسط – بالاتفاق مع «بلومبيرغ»