المسرح وصراع الديمقراطية مع الأرستقراطية

حوار الأفكار- أنور محمد- جيرون

منذ الجمهوريات اليونانية التي قامت منذ أكثر من ألفين وخمسمئة سنة حتى الآن، كانت غاية الديمقراطية هي إقامة الحكم الطبقي للمواطنين الفقراء، باعتبار أنَّه نقيضٌ لحكم الأغنياء. وهذا ما دفع أرسطو إلى تأكيد ذلك بالقول: “ليست الديمقراطية سوى سيطرة الفقراء في الدولة، أمَّا الارستقراطية فهي سيطرة الأغنياء عليها”. وهذه الغاية ربَّما تكون انتقلت بالعدوى إلى الثورتين الفرنسية والأميركية، فتمَّ على يديهما بعث المعنى القديم للديمقراطية.

وحتى يحكم الفقراء، كان لا بدَّ من أن يحتدمَ صراعهم مع الأغنياء، صراع الديمقراطية مع الأرستقراطية؛ فيولَد المسرح في أثينا، المسرح الذي صارت تحياه الدولة الأثينية، بل صار يشكّل قوَّتها، صار فيه عقلها، ما حدا بأفلاطون إلى أن يقول: “أثينا أمَّةٌ ديمقراطية، لأنَّها أمَّةٌ مسرحية”.

لذا، لمَّا صار المسرح مسرحًا، راح يغّير تلك الطريقة التي يحكم بها المستبدّ الحياة فيستبيحها، وكأنَّه لا يمكن إصلاح الإنسان إلا بالاستبداد. ولعل أرسطو أوَّل من أشار إلى الاستبداد ونصوصه المقدَّسة التي تمنح صاحبها المستبدَّ كلَّ حقٍّ في إذلال أعزَّاء القوم وتحقيرهم، أو ولائهم وطاعتهم، وليس علمهم وكفاءتهم، فَيربّون ويسمّنون له وحوشه الغريزية في أعماقه، وهذا ما يقاومه المسرح، وبخاصَّة في المسرحيات اليونانية والشكسبيرية، حتى في مسرح تشيخوف وبريخت وونوس وبلبل وعبد القادر علولة؛ لأنَّ المسرح لا يقبل القسمة الزائفة، وحده من بين الفنون الذي لا يتشاءم من المصير الإنساني، مهما كان فجائعيًا، ووحده الذي لا يثق بالحاكم المستبد، لأنَّه يعتبره مغتصبًا للحكم ولو جاءَ بالمعجزات.

المسرح يربّي قيم الجمال في النفس، فيما القمع/ الاستبداد، يغذّي الغرائزَ فيجنح، ويذهب الإنسان إلى التطرّف. لقد سقطت روما لأنَّها ربَّت الغرائز، وآلت إمبراطوريتها إلى الزوال، ولم يبق شيءٌ منها؛ حتى “إنيادتها” (التي ما نزال نتداولها) لا تساوي شيئًا مقابل “إلياذة” و”أوديسة” أثينا، أثينا التي سعى مسرحها -وما يزال- إلى تربية وترقية إحساسنا بالجمال، فبقيت/ عاشت أثينا، لأنَّ المسرحَ هو العملة الأقوى، لا معادنها التي من الذهب والفضة والدراخمات.

وهذا ما جعل أثينا الخالقة/ الصانعة الحقيقية للحياة، فيولَد على يديها المنطق، الفلسفة، المسرح، الموسيقى، الرسم، والنحت. وما تزال البشرية إلى الآن تقتات وتتصارع على ما خلقت هذه الـ (أثينا)، لكنَّها أعدمت البطلَ، قتلته بالسمّ، قتلتْ سقراط، ومن أجل هذا القتل، راح المسرح يجاهد لتدمير أخلاق العبودية التي تقوّي وتطيل عمر الاستبداد، فصار، من على خشبته، يشَلّح المستبدَّ ثيابَ الفضيلة ويكَشّمها، لأنَّ حقَّه في الحكم باطلٌ، اغتصبه بصفته قاطع طريق، وليس نبيًا أو وليًا، ذلك كي يتشابكَ/ يشتبك الخيالي مع الواقعي، الشبحي مع الجبروتي.

ومن هذه، صارت الديمقراطية مصدر مأساةٍ للمسرح، فالسلْطات/ الحكَّام المستبدّونَ، يدافعون عن امتيازاتهم من خلال أفعال الاعتقال، التعذيب، والتصفية الجسدية -إذا لزمَ الأمر- لمعارضيهم، وليس بالجدل/ البرهان العقلي، كما يقترح المسرح. ولذا نلاحظ أنَّ المسرحيين اليونانيين، ومن ثمَّ شكسبير، صنعوا شخصيات مسرحياتهم، تراجيدياتهم، من الحكَّام/ الملوك، بصفتهم يتربَّعون على رأس الأرستقراطية؛ رأس الملْك، فتنكشف الحريَّة، الثورة، العدل الزائف الذي يحتمون به.

لكنَّه مع إبسن وبيسكاتور وآداموف فبريخت؛ إلى بيكيت وجان جينيه؛ صار المسرح يصنع شخصياتٍ من عامَّة الناس، ليس لأنَّ بذرة الاستبداد عصية على الاجتثاث؛ بل لأنَّهم ضحاياه، ومن حقّ الضحايا أن تدافع عن نفسها، فنرى كيف فرَّخَ الحاكم “المافيات” لتفتكَ بالشعب، فنشوف عوراتها، وهي تتربَّع، ليس على عرش الدولة بل في ممرَّاتها، مافيات من الموظفين الذين جاؤوا من الشوارع إلى السلطة، وقد أطلقت أياديهم، فنرى كيف صارت الأقليَّة تحكم الأكثرية، وكيف صار الأكبر وهو الأضعف، وقد حكمه؛ تحكَّمَ به الأصغر، الأقلّ الذي بيده القوَّة لتولَدَ المأساة، تولد هذه الدراما العنيفة التي نعيشها، دراما غير تلك الدراما التي عاشها من قبل برموثيوس و فاوست، كأبطالٍ مميَّزينَ للمأساة الرومانتيكية، بصفتهما آثمين اقترفا جريمة الاستبداد.

عربيًا، ماذا فعل بنا المسرح، بل ماذا فعلنا به، وكيف استعملناه؟ وهل استخدمنا عقلنا على خشبته فنغّيرَ به جهة الفكر؛ جهة النهضة؛ جهة الثقافة؛ جهة الحياة. لا سيّما أنَّه في الكثير من نزاعاته/ صراعاته، انشغل بالطاغية وبالتخلف الذي لا يفارقنا، مثلما انشغل -أيضًا- بقضايا علمية وفكرية، وأخرى اجتماعية أخلاقية. غير أنَّ قضية الحريَّة والديمقراطية بقيت شاغله الأكبر، لأنَّها من معوقات النهضة العربية. وهذا ما ترك الجانب الفني فيه ضعيفًا، فخسرنا الدراما/ الصراع، فيما ربحنا الملحمية التي كان نفيرها عاليًا، مثلما في مسرحية “حفلة سمر من أجل (5) حزيران”، و”الملك هو الملك” لسعد الله ونوس، و”ثورة الزنج” و”مأساة جيفارا” لمعين بسيسو، و”كيف تركت السيف” و”محاكمة الرجل الذي لم يحارب” لممدوح عدوان، و”ليلة مصرع جيفارا” لميخائيل رومان، و”جحا في الخطوط الأمامية” لجلال خوري، و”الدراويش يبحثون عن الحقيقة” لمصطفى الحلاج، و”ديوان الزنج” لعز الدين المدني، و”المهرج” لمحمد الماغوط.. كما كانت هناك مسرحياتٌ انشغلت بالقضايا القومية (قضية فلسطين) مثل مسرحية “النار والزيتون” لـ ألفريد فرج، و”اليهودي التائه” ليسري الجندي، و”وثائق القرن العشرين” لمحمد إبراهيم بوعلو، و”رأس العش” لسعد الدين وهبة، ومسرحية “دير ياسين” لعدنان مردم بك.

طبعًا، مسرحيونا، بصفتهم نخَب الأمة، هم الأكثر تصديًا للديكتاتورية، وهذه رَّبما تكون قد تطلَّبت منهم المباشرة فوقعوا في الملحمية. ولو كان عندنا حكَّام ديمقراطيون لما انهزمنا في حرب حزيران 1967. مع ذلك فالملحمية ليست سبَّة، كانت وما تزال ضرورة. فماذا تفعل الديمقراطية، وماذا يفعل المسرح أمام الاستبداد العسكري وقد دعمه حزب شمولي؟