إميل أمين: هلسنكي الجديدة ويالطا العتيقة

أميل أمين- الشرق الأوسط

هل يمكن اعتبار قمة هلسنكي التي ستعقد اليوم الاثنين بين دونالد ترمب وفلاديمير بوتين تكراراً لقمة يالطا القديمة (فبراير /شباط/ 1945)، حين اجتمع ونستون تشرشل وفرانكلين روزفلت وجوزيف ستالين لترتيب شأن العالم في أعقاب الحرب العالمية الثانية؟
منذ آخر لقاء بين الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما وبوتين تدهورت العلاقات بين واشنطن وموسكو، وبلغت حداً غير مسبوق، ما دعا البعض لوصف المشهد بأنه تجاوز خطورة الحرب الباردة، الأمر الذي لم يكذبه ساكن الكرملين حين صرح على هامش لقائه مع مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون، الذي مضى إلى موسكو قطعاً للإعداد لهذا اللقاء التاريخي بقوله إن العلاقات الأميركية الروسية تشهد أسوأ حالاتها، ملقياً باللوم على الطبقة السياسية الفاعلة في واشنطن، التي تحاول أن تضع العصا في دواليب ترمب المنسجمة كيمياؤه العقلية مع نظيره الروسي.
الناظر بعين العناية إلى أوضاع العالم يدرك اختلاف المشهد كلية عما كان عليه عشية نهاية الحرب الكونية الثانية، ذلك أنه وإن ظلت موسكو وواشنطن قوتين متقدمتين، إلا أنهما لم تعودا مسيطرتين بالمطلق على شؤون الخليقة، مهما بلغ عديد الرؤوس النووية التي يملكانها، فقد ظهرت أقطاب مختلفة على الساحة الدولية، بعضها يمتلك قوة الردع النقدي، كما الحال مع الصين، وأخرى تتعاطى بقوة المعلوماتية والتكنولوجيا والقفزات الجبارة إلى الأمام، وثالثة تتعاطى مع واقعها الديموغرافي على أنه ثروة بشرية تزخم مسيرتها في طريق القطبية العالمية، كما الحال في الهند، عطفاً على ظهور تكتلات متباينة ما بين الاقتصادي كمجموعة دول «البريكس»، أو إرهاصات تجمعات عسكرية مثلما يسعى الأوروبيون مؤخراً لإعادة إحياء فكرة الفيلق الأوروبي الذي نادى به ميتران وكول قبل عقدين من الزمن.
على أن ذلك كله لا يمنع أن هناك ملفات عديدة وعريضة يمكن أن تكون محل مفاوضات علنية وسرية بين الجانبين، ولعل ما رشح أخيراً عن صفقة قوامها ممارسة موسكو ضغوطاتها على إيران لإخراجها من سوريا، في مقابل رفع العقوبات الاقتصادية الأميركية عن الروس، وإغلاق ملف أوكرانيا وشبه جزيرة القرم، يؤكد أن عالم السياسة لا يعرف المواقف الحدية، فما بين الأبيض والأسود درجات متفاوتة من اللون الرمادي.
اللقاء الأول بين بوتين وترمب وجهاً لوجه لا بد أن يكون مثيراً، فطالما وصف رجل البيت الأبيض نظيره الروسي بأنه رئيس ذكي، ما جعل القواعد الحزبية الديمقراطية تسابق الريح لإثبات علاقة ترمب بصلات روسيا – غيت، حتى وإن لم يمتلك المحقق موللر حتى الساعة دليلاً قاطعاً على تورط رئيسه في المشهد.
قبل قمة هلسنكي بيومين تقريباً بدا وكأن هناك في الداخل الأميركي العميق من يريد إفشال اللحظة التاريخية، إذ أقدم نائب وزير العدل الأميركي رود روزنستاين على اتهام مباشر للاستخبارات العسكرية الروسية بأنها من خلال اثني عشر ضابطاً من عملائها كانوا وراء اختراق حاسوب المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون، وعدد من العاملين في الحملة الانتخابية الرئاسية للحزب الديمقراطي، وسرقة أوراق ووثائق، وتسريبها تالياً لنحو نصف مليون أميركي.
لا تبدو أميركا عشية لقاء هلسنكي بيتاً موحداً خلف الرئيس، كما كانت الحال على سبيل المثال غداة لقاء بوش الأب مع ميخائيل غوباتشوف في مارس (آذار) من عام 1990، بل تكاد تضحى منقسمة روحها في داخلها، ما يضعف موقف ترمب في مواجهة خصمه الروسي اللدود، ولهذا اعتبر ترمب في تصريحات عاجلة له أن ما يقوم به موللر هو نوع من المطاردة الزائفة، التي تشبه مطاردة الساحرات التاريخية في أوروبا القرون الوسطى، وعليه فقد وجد نفسه مجبراً بالقسر على التصريح بأنه سيتحدث إلى بوتين بحزم في هذا الشأن، ما يعني أن مساحات الفراق قد تتغلب على توجهات الاتفاق في هلسنكي.
يمضي ترمب إلى هلسنكي، وكأن الزيارة نوع من أنواع اللعب على المتناقضات بصورة تاريخية، بمعنى أنه حين كانت موسكو هي العدو الأول للولايات المتحدة في الستينات والسبعينات، عزفت الدبلوماسية الأميركية على نسج تفاهمات مع الصين، قادها في ذلك الوقت مايسترو الخارجية والأمن القومي الأميركي هنري كيسنجر.
واليوم إذ تعتبر النخب الأميركية ومراكز الأبحاث، عطفاً على الرئيس ترمب نفسه، أن الصين هي القطب الأكثر عداوة لأميركا، فإن البعض يحاول أن يجعل من روسيا صديقاً في مواجهة بكين، وإن كان الروس والصينيون يرون أن واشنطن لا ينبغي أن يثق بها أحد إلى المنتهى، وقد رأينا تفاهمات اقتصادية وسياسية متنوعة الأيام الماضية غداة زيارة بوتين إلى الصين.
بالقطع يذهب ترمب للقاء بوتين وأميركا مأزومة على أكثر من صعيد أدبياً وأخلاقياً في الداخل، وسياسياً واقتصادياً في الخارج. يذهب ووراءه إرث سيئ السمعة لباراك أوباما صاحب نظرية القيادة من وراء الكواليس، فيما بوتين الذي وحد الروس وراءه، أدرك نجاحات بدرجة أو بأخرى من جراء إقدامه وجرأته على خوض المغامرات شرق أوسطياً وآسيوياً، بل ها هو يتعاطى مع أوروبا بعين الساعي للصداقة عبر خط الغاز «سيل الشمال – 2»، الأمر الذي يزعج الأميركيين أيما إزعاج، لا سيما وأن هواجس الحلف الأوراسي تقض مضاجع رجل الناتو الأول.
يربح بوتين من لقاء الرئيس الأميركي مساحة جديدة من النفوذ المحلي والإقليمي والدولي، إذ يذهب إليه رئيس الولايات المتحدة الأميركية من دون شروط مسبقة، الأمر الذي يؤكد للعالم برمته أن روسيا – بوتين هي الرقم الصعب في المعادلة الدولية الحالية، وربما نوعاً من الاعتراف بشرعية كل ما فعلته في الأعوام الماضية.
في المقابل كذلك فإن ترمب لن يخرج خالي الوفاض، إذ سيدرك بعضاً من النجاحات، فعبر قمة هلسنكي يوضح للأميركيين وللعالم أنه رئيس مستقل، وليس ألعوبة في يد الكونغرس وتوجهاته، وأنه قادر على المناورة والمداورة بشكل خاص، ما يرسخ صورته زعيماً وسيداً للبيت الأبيض باقتدار، ويباعد بينه وبين صورة الرجل الذي لا دالة له على السياسة الدولية، ما يفيده على صعيدين؛ الأول انتخابات التجديد النصفي للكونغرس وحظوظ الحزب الجمهوري، والثاني الإعداد لكسب دورة رئاسية ثانية.
قمة هلسنكي لن تكون يالطا جديدة نعم، لكن ربما تكون خطوة أولى لوضع حد لحالة السيولة الجيواستراتيجية الدولية، وبداية لترتيب أوراق بيتنا الأرضي مرة جديدة.