الديانات تواصل الانغلاق على ذاتها وتمضي في تجاهل أصولها المشتركة

حوار الأفكار- محمد الحمامصي- العرب اللندنية

يفتتح الباحث محمد مزوز كتابه “فلسفة الدين بين التجربة الباطنية والتأمل النظري” متسائلا: لِمَ هذا الكتاب عن فلسفة الدين؟ ما الإضافة المفترضة إلى كل ما كُتب ويكتب عن فلسفة الدين؟ ويعتقد أن هذا النوع من التصنيف ضروري في زماننا هذا أكثر من أي وقت مضى، ما دمنا نعيش فترات عصيبة يهيمن عليها الغلوّ من هذا الجانب أو ذاك. فليس الغلوّ الذي نلحظه اليوم بالعابر كما قد نتوهّم، بل قد يستمر لعقود أو لقرون. فحياة الشعوب لا تقاس بالفترة والمدة والعقد والعقدين، وإنما تقاس بالعصور الثقافية وبالدورات الحضارية.

ويقول “وضعنا الحضاري لا يجعلنا في المقدمة ولا في المؤخرة، نحن في وضعية بينية. وهذا بالضبط ما يجعل الانحراف ممكنا وسهلا: الانحراف الذي يعيدنا إلى الوراء، أو الانحراف الذي يرمي بنا إلى الأمام. الاغتراب له وجهان، وجه أصيل يختزلنا في هوية واحدة ولون وحيد، ووجه معاصر يريد أن يستأصلنا من الجذور. ما نعتقد أنه أصيل فينا ولا يشترك معنا فيه الغير، ضارب في أعماق التاريخ السحيقة. الأصالة ليست لها بداية، هذا مجرد وهم نتمسك به لحماية الذات من خطر مفترض. الحداثة ليست ملك أيدينا، لم نصنعها بمعيّة غيرنا، بل استقبلناها في عقر دارنا عندما دخلت علينا دون استئذان”.

ويلفت مزوز في كتابه الصادر عن مؤسسة “مؤمنون بلا حدود” أن ليس المقصود بفلسفة الدين دراسة موضوع دين بعينه أو عقيدة محددة، وإنما هي نظر في تجليات التعالي وتمظهرات القداسة بصرف النظر عن الملابسات التي تشكلت فيها. فتجربة التعالي ليست حكرا على أمة أو شعب، والعلاقة مع المقدس ليست مشروطة بحقبة خاصة ولا بمجال محدد.

القراءة المتأنية لفلسفة الدين وربطها بالموروث البشري، تمكّن صاحبها من الوقوف عند مجموعة من البديهيات لا يريد الغلاة أن يتفطنوا إليها وأولها أننا سواسية في المعتقد، ما دمنا ننهل جميعا من تراث بشري موغل في القدم، وآخرها أن شهوة السلطة هي التي طوعت واستخدمت كل ما هو ديني، واستثمرت تلك الأوهام.. هذه القضايا يتضمنها بحث المفكر محمد مزوز في كتابه حول فلسفة الدين.

ويؤكد واهم من يعتقد أن الغلوّ يأتينا من الخارج، مادام كل خارج بالنسبة إلينا هو داخل بالنسبة إلى غيرنا، بالطريقة عينها التي ينظر بها إلينا الغير بوصفنا ذلك الخارج. تحميل المسؤولية للغير هو نوع من الإسقاط الذي يتوخى توفير الحماية للذات أو التستر على عيوبها. تأتي عيوب الذات من الأسرة (تربية وتنشئة)، من البرامج والمناهج الدراسية، من الوعظ والإرشاد.. المصادر متنوعة والهدف واحد: خلق مواطن متمركز حول ذاته (معتقدا، ولغة، وعرقا). فكيف لمواطن من هذا الطراز، أن يتعايش مع كل من لا يرى رأيه، ولا يدين بمعتقده، ولا ينتمي إلى سلالته؟ وأنّى له أن يكون متسامحا مع الغير، وأن يعترف بفضل الآخر؟.

وهم الهوية

ويشير الباحث مزوز إلى أنه إن كان لفلسفة الدين من فضل علينا، فلعله ذاك الذي يتأتى من كشف النقاب عن أوهامنا المتجذرة، وعلى رأسها وهم الهوية، ووهم الأصالة، ووهم أفضلية المعتقد. تُظهر لنا فلسفة الدين أن ما نحسبه خصوصية تجعلنا بلا نظير ولا مثيل، هو في الواقع كونية ومشترك إنساني. الحكمة الدينية الموجودة في كتابنا، يوجد لها مثيل لدى أنبياء العهد القديم، وما قاله هؤلاء يوجد له نظير عند حكماء بابل ومصر.

ليس لدينا ما نباهي به غيرنا في مجال المعتقد، كما ليس لدى الغير ما قد يجعله متفوقا علينا. نحن سواسية في المعتقد، ما دمنا ننهل جميعا من تراث بشري موغل في القدم. لذا، فإن الحروب التي خيضت وتُخاض باسم الدين لا مبرّر لها، مادام الإله الواحد إرثا مشتركا لا يحق لأي طرف أن يدّعي الانتصار له أو الدفاع عنه أو إعلاء كلمته. فهو مستغنٍ عن الجميع، وفي غير ما حاجة لمن يحميه أو يكون وصيا عليه.

وفي حالة ما إذا كان لديهم مشترك عقائدي يجمعهم -على غرار المشترك التوحيدي- ومع ذلك يخوضون الحروب باسمه، فمعنى ذلك أن تجارب الأمم متشابهة. في زمن الغلوّ نحن في أشد الحاجة إلى تغيير البرامج والمناهج، كي تكون مطابقة لفلسفة في التربية تروم تكوين مواطن الغد، مواطن يمارس اعتقاده الخاص دون أن يفكر في فرضه على الغير. ولن تتأتى لنا صياغة فلسفة للتربية تنشد هذا المبتغى، دون الاسترشاد بما توصلت إليه فلسفة الدين.

لأن الديانات هي أنساق منغلقة على ذاتها، وليس بوسعها أن تقف على أرضية محايدة للنظر إلى بعضها البعض. أما فلسفة الدين -بما هي فلسفة أولا وبالذات- فبمقدورها توفير تلك الأرضية المحايدة، بحيث تبدو المعتقدات متساوية وغير متفاضلة.

ويقول “لكل أمة كتاب، لكل شعب ذِكر، لكل حقبة رسول أو تابع أو ولي أو مصلح أو داعية. الزيغ عن الطريق وارد في كل حين، إغواء التشبيه والتجسيد وعبادة الشخصية لا يُردّ بيسر.

إذا لا مندوحة من التذكير والذكرى، لا مناص من الوعظ والإرشاد، لا بد من دور للعبادة قصد الابتهال والتوسل؛ طلبا للنجاة، وهروبا من الإغواء. بيد أن أخذ الحذر والاحتياط ليس فعلا محايدا تجاه أفكار وانفعالات وحسب، بل هو اتخاذ لمسافة فاصلة بين الأنا والغير، بين الأصيل والدخيل، بين العريق والطارئ. فالإغراء والزيغ والتشبيه والضلال والبدعة والزيف لها أسماء وعناوين وأشخاص يمثلونها ويرمزون إليها. ولذلك يلزم استبعادهم ودحرهم وحرمهم، لأنهم يشكلون مصدر الخطورة على صفاء العقيدة، ويهددون بالعودة إلى الماضي المظلم، أي الماضي الذي تبرأ منه الكتاب.

الديانات هي أنساق عقائدية مغلقة على ذاتها، وليس بوسعها أن تقف على أرضية محايدة للنظر إلى بعضها البعض

فهل نَصبُ العداء للخصوم ناتج عن الاختلاف في الإيمان فقط، أم أن للقضية وجها آخر؟ فما يُضير المؤمن أن يوجد مؤمن آخر يدين بغير معتقده؟ أيّ ضرر يلحق بالمعتقدات إن هي تباينت وتعارضت؟ وهل تَسلم المعتقدات من الشنآن إن هي تآخت وتآلفت؟ ألم تُنتج العقيدة الواحدة فِرقا وطوائف ‘يكفّر بعضها بعضا، ويلعن بعضها بعضا’، والتعبير لابن عربي أيضا؟”.

المؤمن شخص حزين

ويضيف مزوز “المؤمن شخص حزين بالتعريف حتى لو أظهر العكس، ولو في حالة عدم خوض الحروب مع الخصوم. فلباسه المأتمي إبّان أداء الشعائر، دليل على أسفه إزاء مُلك ضاع أو هو في طور الضياع، فالدنيا القصيرة الأمد تنصرف أمام ناظريه إلى غير رجعة. لسان حاله يقول: ما الذي يستحق أن نعيشه بمَرحٍ بعد انفصال مملكة السماء عن مملكة الأرض؟

فما العمل؟ لن يبقى سوى الدعاء والابتهال، طلب الهداية والغفران. الرجاء والتمني هما الغاية، لا بديل عن الانتظار بما سيجود به إله العقيدة. سيكولوجية الانتظار هي دعامة المؤمن، استنادا إليها يقاوم المحن، وبالعودة إليها في كل وقت وحين يجد العزاء لإخفاقاته وإحباطاته. أمام ضياع مملكة السماء التي كانت فوق الأرض، لم يبق سوى الاستعادة الرمزية لها بالحج إلى البقاع المقدسة، والبكاء على أطلالها، وتقبيل ما تبقى من مآثرها. وهل هناك حل آخر غير هذا؟ انتهى زمن الحاكم المؤله، مضى زمن الحفلات المقدسة، أُغلقت أبواب المرح والانتشاء وإشباع الغرائز حتى التمام. كل ذلك دخل في باب الممنوع والمحرّم، وحدث الشرخ الأبدي بين عالم الغريزة وعالم الفضيلة. في هذه النقطة تتشابه العقائد إلى حد التماهي، فما الداعي -بعد هذا- إلى التنابذ والصراع، والاتهامات المتبادلة بالزيف والتحريف؟”.

ويرى أنه من غير المفهوم أن يحدث ذلك، على الأقل بالنسبة إلى ديانات التوحيد “الأخوات الرضيعات من ثدي التجربة الإبراهيمية”. ومن هذا المنظور، يحق لنا أن نتساءل أو نطرح السؤال على مؤرخ الأفكار: ماذا كان سيحصل لو انتصرت الأريوسية، مثلا، في النسخة الثانية من التجربة الإبراهيمية؟

ويخلص الباحث مزوز إلى القول إنها الوصية الكبرى المحمّلة بالحكمة الإنسانية، كما اختزلها التراث الشفوي الذي ظهر على ضفاف الأنهار. وهي الوصية التي انتقلت من الطابع الشفوي إلى الطابع المكتوب.

 حافظت الأجيال على وصية الأجداد، جددوا القراءات، فكان لا بد من ظهور الاختلافات، فتشكلت الفِرق والطوائف. دخلت السلطة على الخط، فتحولت الملل والنحل إلى أيديولوجيا للمعركة، فسالت الدماء.