أثر الذهنية في السلوك العنفي

تهامة الجندي – جيرون

لعل محاضرة الدكتور أحمد برقاوي حول (الذهنية والوعي وأثرهما في السلوك)، كانت واحدة من أكثر المحاضرات إثارة للجدل، وربما السخط لدى شريحة من المثقفين، بما وضعته من فوارق بين الذهنيات المتعددة، تبعًا للانتماء المذهبي أو الانحدار من الريف أو المدينة، لكنها بالتأكيد تستدعي التأمل والتفكير بما توصلت إليه من أن الذهنيات المتوارثة، السابقة عن الدولة الحديثة، هي سبب فشلها، وظهور الدكتاتوريات العسكرتارية الحاكمة، والصراع العنفي على السلطة في المنطقة العربية عمومًا، وفي سورية بوجه خاص.

يؤكد البرقاوي أنه لا ينطلق في تعييناته من أحكام القيمة، إنما من واقع موضوعي يرتبط بسوسيولوجيا المعرفة، ويعرّف الذهنية بأنها: “جملة من الأفكار والمعتقدات وأشكال الوعي والعادات والقيم البنيوية والدنيوية، التي تحرك سلوك البشر على المستوى العام، بمعزل عن الفروقات الفردية”. على هذا النحو فإن الذهنية، بوصفها طريقة في التفكير تظهر في السلوك، ليست ثابتة، لكن قد تتوارثها الأجيال على نحو طويل، فبعد سبعين سنة من النكبة مثلًا لا يزال أهالي المخيم رجالًا ونساء يجلسون أمام البيوت، مع أنهم لم يعيشوا في القرية، لكنها عادة ريفية نتجت عن ذهنية قروية متوارثة.

المدينة هي عالم مفتوح، عالم الحرفة والسبب والنتيجة، وعالم الدقة والثروة، يرى البرقاوي، لكن جميع الدكتاتوريات التي نشأت في المنطقة العربية بعد السبعينيات، من دكتاتورية حافظ الأسد إلى صدام حسين وعلي عبد الله صالح، هي نتاج الذهنية القروية العسكرتارية، والوعي الفلاحي الذي يعتبر السلطة شأنها شأن الأرض التي يمتلكها. الأرض هي العنصر الأساس لدى الفلاح، وقد يقتل لسببين الأرض والعرض. ليس لدى الفلاح وعي منطقي، عالمه ضيق ومغلق يرتبط بحراثة أرضه وبذرها وحصاد الغلال، فكرة الملكية لديه هي السلطة، وفكرة العنف مرتبطة بالحفاظ على أي تأكيد للملكية، والعلاقات العضوية في القرية هي علاقات قرابة. يكفي أن تكون قريبًا من الدكتاتور حتى يكون لك مكان وحظوة داخل السلطة، وأن تكون قادرًا على إخافة الآخرين، وقد أسفر لقاء السلطة بالوعي العسكرتاري والوعي الفلاحي المتخلف، عن السلوك الهمجي المتعيّن بالعنف، حيث وجدنا صدام حسين يقتل أصدقاءه بيده.

يضيف البرقاوي أن السنّية ذهنية، والشيعية ذهنية، والعلوية ذهنية، كذلك الدرزية والإسماعيلية والمسيحية، كل هذه ذهنيات نتوراثها، ولا نستطيع أن نتجرد تمامًا من أثرها، ثم يستطرد في شرح الفروق بين الذهنيتَين السنية والشيعية، فيلاحظ أن السني العربي السوري ينتمي إلى الأكثرية، وهذا يعطيه من الطبائع النفسية ما لا يساوي الطبائع النفسية لغيره من الأقلية. يعطيه الانفتاح والحضور والشجاعة في التعبير عن ذاته، فهو مؤمن بوجود الله ورسالة نبيه محمد العربي، ومتيقن أنه من خير أمة أُخرجت للناس، من دون أن يعتقد أنه أفضل من الآخرين، وهو ينتمي إلى تاريخ طويل يمتد إلى ألف وأربعمئة عام، فيه الفتوحات الكبيرة والكثير من الرموز الدينية كخالد بن الوليد وأبي بكر وعمر. تاريخ يعتبر أنه صانعه ووارثه، وهذا كله يكسبه وعيًا ذاتيًا إمبراطوريًا لا شعوريًا، هو جزء من بنيته الذهنية وتصوره للعالم واعتداده الذاتي بنفسه. فضاء السني واسع وبسيط، ليس لديه ما يخفيه، بالعكس عليه أن يظهر ما لديه بحكم انتمائه إلى سنيته.

على خلاف ذلك فإن فترة اعتداد الشيعي لا تتجاوز فترة أبي طالب، وكل التاريخ الذي جاء بعد مقتل علي ليس تاريخه، بل تاريخ تعرض الشيعة للقمع، الذي أسفر عن مبدأ التقية، وهي شكل من أشكال اتقاء الشر بعدم إظهار السلوك الحقيقي، والتقية بوصفها كذلك هي ذهنية خطيرة، لأن الأنا لا تظهر على حقيقتها نتيجة الوعي الشعبي بالخوف.

من جانب آخر، فإن الذهنية السنية تكونت داخل المدينة، من دون أن يعني هذا أنه لا يوجد سنة قرويون، وسنجد أن جميع المدن على الساحل السوري هي سنية، أما القرى فهي للأقليات، مثلًا حيفا سنية وقراها درزية. اللاذقية سنية وقراها علوية.

فكرة الخلاص عند السنة غير موجودة، ثمة خلاص إلهي مؤجل إلى يوم القيامة، حيث يقرر الله نهاية العالم ونهاية البشر إما في الجنة أو النار، والشيخ في الإسلام السني ليس معصومًا، إنه مثل أي شخص آخر يمكن أن يخطئ ويحاكم ويتعرض للجلد أو القتل، مثل ابن تيمية الذي قُتل في سجن القلعة، بينما الشيعي عنده لحظة خلاص هي فكرة المهدي، وعندما طال الانتظار، ظهرت فكرة الولي الفقيه الذي يتسم بصفات المهدي المنتظر، والإمام معصوم لدى الشيعة، وكلامه منزّل، مثل السيستاني في العراق.

يذهب البرقاوي إلى الاعتقاد بأن الاستبداد والصراعات الدامية على السلطة في العالم العربي، هي تعبير عن الحضور المستمر لهذه الذهنيات القروية والمذهبية المتوارثة، السابقة لنشوء الدولة الحديثة، انطلاقًا من الركود التاريخي الذي صنعته السلطات العربية المتأخرة تاريخيًا، وانعكاسًا لحالة الفشل في التكوين السريع للدول، حيث اعتقد الاستعمار الفرنسي والإنكليزي، أنه يمكن نقل التجربة الديمقراطية إلى منطقتنا، في حين أننا حتى نهاية السلطنة العثمانية، لم نعرف سوى الإمبراطوريات الكبرى.

الصراع السياسي على السلطة، بالمفهوم الحديث، تحكمه الديمقراطية وصندوق الاقتراع، هذا أعلى ما أنجزته البشرية في مسألة العقد الاجتماعي، ولم تنجزه إلا بعد مرحلة طويلة من الصراعات، أوروبا التي نتغزل بها اليوم، خاضت حرب الثلاثين عامًا، حصدت ثلث سكانها في الصراع بين البروتستانت والكاثوليك، قبل أن تتوصل البرجوازية الأوروبية إلى صيغة العقد الجديد، أي المشروع الديمقراطي العقلاني والحداثة، حيث لم تعد الصراعات السياسية مرتبطة بالذهنيات الدينية والطائفية، ولا بالعنف، بل أصبح النظام الديمقراطي هو من ينجز شكل الصراعات اللاتناحرية في السلطة.

في الختام، ينبغي التنويه إلى أن المحاضرة أُقيمت، مساء السابع من تموز/ يوليو الجاري، في قاعة “اللقاء السوري” بدبي، ونُشرت على الإنترنت، ضمن فعاليات “حركة ضمير”، التي انطلقت قبل ثلاث سنوات، كمنظمة حراك مدني، تضم مجموعة كبيرة من المفكرين والأدباء والفنانين، موزعين على هذه القارة لنقل الألم السوري، كما أشارت منذ البداية مديرة الجلسة الشاعرة فاتن حمودة.