ناظم حكمت: حبٌ برداء الإنسانية

فواز الفارس- جيرون

عاش الشاعر التركي ناظم حكمت تحت نيران حربين كونيتين، أحرقتا القارةَ الأوروبية برمتِها؛ وأخرجتا إلى الوجود آفاتٍ كثيرةً، كالعنصرية والأحقاد القومية والدينية، غدت شمّاعة تعلق عليها كل الإبادات الجماعية التي حصلت وما رافقها من حرقٍ للمدن وتهجير للشعوب.

تلك اللوحة القاتمة المرعبة كانت النسغَ الذي استمد منه شعر ناظم حكمت وجوده، في أذهان قارئيه، إضافةً إلى إرادة لا تلين، تتكئ على وعي بضرورة التغيير، وخلق عالم تسوده المحبة والإخاء.

سماتٌ كهذه في شعر ناظم حكمت جرفته إلى ساحة المواجهات اليومية، ومطاردات الشرطة السرية له، فليس بغريب في مسيرة التاريخ أن الشعر الذي يأسر أفئدة الناس هو ذاته الذي يقود صاحبَه إلى السجن، وبخاصة أن ما يكتبه قد خط بمدادٍ من الصدق، بعيدًا كل البعدِ عن المداهنة والنفاق، شعر ثائر متمرد لم يخفت صوته أو يتلاشى، جراءَ منعِ الحكومة له، فقد وجدَ محبو الشاعر ومريدوه طريقة لتداول شعره، عبر رسائل مكتوبة بخط اليد، تم تناقلوها خفية تحت المعاطف؛ ولم تفلح قضبان السجن المهترئة التي احتُجز خلفها، في وأد حروفه وخنق سناها الذي بات يخطف الأبصار، حيث انحازت منذ البداية للطبقة الكادحة.

فلطالما رأى الشاعر الحريةَ مرتدية ثيابَ الفقراء، فمضى يرسم آمالَ أشرفِ طبقةٍ، ويخاطبها قائلًا: (كوكبنا غير محمول على قرن ثور إنما هو محمول على يديك).

وبسبب تلك الأشعار الثورية التي تمس النظام الاستبدادي؛ قُدّم الشاعر إلى المحاكمة بتهمة كتابة أشعار ثورية، تداولها حتى أفراد الجيش التركي، وبعد جلستين سريتين، صدر الحكم عليه، فالدولة التي اتهمها بأنها تخاف الشعر؛ صبّت جام غضبها عليه؛ إذ رأتْ في عبارته تلك تحقيرًا لها ومساسًا بهيبتها.

في رسالة كتبها من السجن لزوجته يقول إنه في الأيام الأولى، لم يكن يعرف شيئًا عن الذين يشاركونه السجن، لم يكن مسموحًا له بالكلام مع أحد، وما هي إلا فترة قصيرة، حتى تحول السجن إلى ساحةِ عملٍ وإبداع. وقد استطاع بصموده وحبه الحياة، أن يحول السجناءَ والسجانين إلى أصدقاء.

وتحت ضغط ضمير العالم الشريف ومطالبة كبار الكتاب والشعراء والفلاسفة والمفكرين والفنانين، في شتى أنحاء العالم، اضطرت السلطات إلى الاستجابة وإطلاق سراحه، لكنها وضعته تحت الإقامة الجبرية والمراقبة؛ ما اضطره إلى الهرب عبر البوسفور في ليلة عاصفة قاصدًا بلغاريا، حيث التقطته سفينة شحن رومانية، وفي كبينة الضباط، وجد نفسه أمام مفارقة ساخرة: ملصق كبير عليه صورته وتحتها عبارة: (أنقذوا ناظم حكمت).

حرمانه من الوطن ترافق مع حرمانه من الزوجة والابن؛ هذا الحرمان الذي سيتحول إلى نصل جارح يحز قلبه، بين الفينة والأخرى، ليتحول نزفه أشعارًا عن الحب تبرز فيها سمة الإنسانية، وترتقي من المستوى الذاتي الضيق إلى المستوى الإنساني العالمي الموضوعي، يقول:

“الصيف ولّى هازئًا بي

مصعدًا صرخات مجنونة

فلم يتسن لي أن أحملَ إليكِ

باقةً من بنفسج

ما حيلتي.. ما حيلتي؟

كان الأصدقاء جياعًا

وأكلنا بثمن البنفسج”.

لقد أدرك الشاعر أنه حين يضحي بباقة البنفسج، لن تخسر حبيبته شيئًا، سوى هدية جميلة، لكن أصدقاءه سيجوعون، فماذا كانت النتيجة؟ قصيدة أجمل من عقد البنفسج تشيع الحب والدفء في قلوب أشخاص كثر.

في المنفى، كان ناظم حكمت يصحو كل صباح، ويذهب راجلًا إلى مبنى البريد، يتسقّط أخبار الوطن القادمة عبر الرسائل، وكانت تلك الأخبار زادًا وملهمًا وباعثًا على الدفء، في صقيع الروح التي تساقطت براعم دفئها في الغربة.

في صباح أحد أيام صيف 1963، خرج الشاعر إلى مشواره اليومي نحو البريد، ولكنه لم يعد، سقط ميتًا في الشارع، وتلاشت تلك اللهفة إلى ملامح وتفاصيل الوطن المخبوءة في تلافيف الرسائل، وطن طوح به على أرصفة المنافي الباردة، وأمعن في القسوة عليه، وأردف ذلك كله بنزع الجنسية عنه.

هذا التنكر الذي لقيه من الوطن استنزف روحه وحروفه، وقاده، في لحظة ضعف عابرة، إلى مبادلته النكران، فيقول:

“إن كان الوطن هو ما تكنزون

في خزائنكم وصناديقكم المزخرفة

إن كان الوطن هو أن يرتجف

الفقير مثل الكلب وتنتابه

الحمى صيفًا وشتاءً

إن كان الوطن هو حكومة السياط والخوازيق

فإنني أخون الوطن”.

شاعر يمتلك إنسانية تفوق الوصف، حتمًا لن يقدم على فعلة نكراء كهذه، فالشعراء عادة يقولون ما لا يفعلون، لكنها الأوطان التي تقسو على أبنائها، وتدفعهم ليهيموا في كل وادٍ، ويحترقوا في أتون أشواقهم الحارقات عن طيب خاطر.

فإن لم أحترق أنا؛ وإن لم تحترق أنت؛ وإن لم نحترق نحن؛ فمن ينير الظلام للآخرين!