إيران بعد الانسحاب من «خطة العمل الشاملة المشتركة»

إيران بعد الانسحاب من «خطة العمل الشاملة المشتركة» (الجزء الأول):

 دروسٌ من حملات الضغط الماضية

مايكل آيزنشتات

معهد واشنطن لسياسة الشرق الادنى 16/7/2018

“هذا المرصد السياسي هو الأول في سلسلة من جزئين بشأن تشكيل ردود إيران المحتملة للضغط الأمريكي المتزايد على أنشطتها النووية. وسيبحث الجزء الثاني الإجراءات التي ستتبعها طهران على الأرجح بعد الانسحاب الأمريكي من «خطة العمل الشاملة المشتركة»”.

 

تعمل إيران حالياً على دراسة الخيارات المتاحة أمامها في أعقاب إعلان الرئيس ترامب في 8 أيار/مايو عن انسحاب الولايات المتحدة من «خطة العمل الشاملة المشتركة» المتّفق عليها عام 2015، والسعي إلى انتهاج سياسة [جديدة] تقوم على “أقصى درجات الضغط الاقتصادي والدبلوماسي”. ولكن بينما تطبّق الإدارة الأمريكية هذا القرار، يتعين على المسؤولين الأمريكيين النظر في الكيفية التي ردت فيها إيران على حملات الضغط السابقة التي استهدفت برنامجها النووي. فما الذي تكشفه هذه الردود حول تصرف طهران المحتمل تجاه خطوات واشنطن التالية؟

الردود على حملات الضغط السابقة

يعود البرنامج النووي للجمهورية الإسلامية إلى عام 1984، ولكن المفاوضات الهادفة إلى الحدّ من أنشطة إيران النووية لم تحرز أي تقدّم إلا بعد اكتشاف برنامجها الخفي لتخصيب اليورانيوم في عام 2002. وبعد مرور أكثر من عقد من الزمن شهدت خلاله المفاوضات فترات متكررة من الانقطاع والاستئناف، فضلاً عن فرض عقوبات صارمة على نحو متزايد، وتهديدات عسكرية، وافقت إيران على «خطة العمل الشاملة المشتركة» عام 2015 وقبلت بقيود مؤقتة على أنشطتها النووية مقابل تخفيف وطأة العقوبات. وفي ضوء ردود النظام خلال هذه الفترة، يمكن استخلاص أنماط معبّرة لهذه التصرفات:

  • في أعقاب غزو الولايات المتحدة للعراق عام 2003، أفادت التقارير بأن طهران أوقفت برنامج تسليحها “الواضح المعالم” لتجنب إعطاء ذريعة لغزو إيران، إلا أنها واصلت أعمال البحث والتطوير في مجال الأسلحة ذات المستوى المنخفض وأحرزت تقدماً مطرداً في برنامجها لتخصيب اليورانيوم.
  • على الرغم من قيام إيران بتجميد عمليات التخصيب بين عامَي 2003 و2005 استجابة للضغوط الأجنبية، إلّا أنها استغلت ذلك الوقت لإصلاح المشاكل التقنية في برنامج التخصيب الخاص بها وواصلت بناء مصنع لتحويل اليورانيوم في أصفهان.
  • عندما تواجه إيران ضغوطاً جديدة، فإنها غالباً ما تهدد بزيادة قدرة/مستوى التخصيب الذي تقوم به، أو وقف التعاون مع “الوكالة الدولية للطاقة الذرية”، أو بناء سفن وغواصات تعمل بالطاقة النووية إذا لم يتم رفع العقوبات.
  • عند انضمامها إلى «خطة العمل الشاملة المشتركة» في عام 2015، وافقت إيران على الالتزام بقيود مؤقتة على أنشطتها النووية في حين سُمح لها بمواصلة أعمال البحث والتطوير الخاصة بأجهزة الطرد المركزي. كما أنها أخفت سرّاً محفوظاتها للأسلحة النووية – ربما لتسهيل إعادة إطلاق البرنامج في موعد لاحق.

وباختصار، غالباً ما ردّت إيران على الضغوط من خلال زيادة قدرتها على التخصيب بشكل تدريجي، وتهديدها حتى [بالعمل على إحراز] تقدّم أكبر لإقناع خصومها بعدم جدوى مساعيهم. وفي مناسبات عديدة، وافقت على مضض على تجميد أنشطة معينة بصورة مؤقتة طالما لم يمنع ذلك التجميد التقدم المستمر في مجالات أخرى، أو يرغمها على التنازل عن “حقها في التخصيب” أو يلزمها على الإقرار بالأبعاد العسكرية لبرنامجها.

علاوةً على ذلك، ومع تكثيف الضغوط الأجنبية وتوسّعها، كانت إيران بشكل عام تردّ بالمثل:

  • في أعقاب الهجمات الإلكترونية على بنيتها التحتية النووية ووزارة النفط الإيرانية، وعلى أثر العقوبات التي فُرضت على “مصرف إيران المركزي” وقطاع النفط الإيراني، هددت إيران بإغلاق مضيق هرمز في عام 2011، ثم شنّت بدورها هجمات إلكترونية على المؤسسات المصرفية والمالية الأمريكية في عام 2012.
  • بعد استهداف خمسة علماء نوويين إيرانيين وقتلهم، أمرت طهران باستهداف دبلوماسيين إسرائيليين في أربع دول آسيوية على الأقل في عام 2012.
  • ردّاً على ارتفاع عدد رحلات طائرات الاستطلاع بدون طيار فوق الحدود الإيرانية وداخل المجال الجوي الإيراني، حاولت طهران إسقاط طائرات استطلاع أمريكية فوق الخليج العربي بين عامَي 2012 و2013.

الأنشطة النووية والإقليمية: التقسيم الانتقائي

لم تؤدِ جهود طهران الرامية إلى تخفيف الضغط على برنامجها النووي إلى التأثير بشكل جوهري على أنشطتها الإقليمية، لأن النظام الإيراني اعتاد في الماضي على فصل المسألة النووية عن سياساته في كل من سوريا والعراق وأفغانستان والخليج (مع استثناء واحد جدير بالذكر وهو: التهديد من عام 2011 الذي أُشير إليه سابقاً لإغلاق مضيق هرمز إذا خضعت صناعة النفط الإيرانية للعقوبات). ولذلك، لم يكن للعقوبات النووية المكثفة ولا للرغبة في إبرام اتفاق نووي أي تأثير ملموس على تدخل إيران في الحرب السورية، أو قرارها الظاهري بتجنب الضلوع في الهجمات المنفذة بالوكالة على الأفراد الأمريكيين في العراق بعد عام 2011، أو على تسليحها حركة “طالبان” (لأكثر من عشرة أعوام حتى الآن) لتساعدها في حربها ضد القوات الأمريكية في أفغانستان. أما في المناطق الأخرى، فلم تهمد المضايقات الإيرانية لسفن البحرية الأمريكية في الخليج، خلال المفاوضات النووية أو بعدها (22 حادثاً في عام 2015، و 36 حادثاً في عام 2016).

بيد أن إيران عمدت فعلاً إلى ضبط أنشطة الصواريخ البالستية في ذروة المفاوضات (تشرين الثاني/نوفمبر 2014 حتى تموز/يوليو 2015)، حيث قامت بإطلاق صاروخ واحد فقط متوسط المدى خلال تلك الفترة. كما خففت من هجماتها الإلكترونية ربما سعياً إلى إيجاد بيئة تفاوضية أكثر ملاءمة (على الرغم من استمرارها بأنشطة التجسس عبر الإنترنت خلال فترة المحادثات).

ولكن بعد اكتمال «خطة العمل الشاملة المشتركة» في تموز/يوليو 2015، حثّت إيران روسيا على التدخل في سوريا بينما قامت بشكل مؤقت بزيادة عدد قواتها هناك اعتباراً من أيلول/سبتمبر لصدّ هجوم من الثوار كان يهدد النظام. كما عززت عمليات إطلاق الصواريخ البالستية متوسطة المدى (تسع عمليات في العام الذي أعقب التوقيع على “خطة العمل الشاملة المشتركة”، وأربع في العام التالي)، واستأنفت أنشطة الاستقصاء الإلكتروني العدوانية ضد الولايات المتحدة وغيرها من الأهداف، وسرّعت عمليات احتجاز الأمريكيين المقيمين (اثنان على الأقل في النصف الثاني من عام 2015 وخمسة في النصف الأول من عام 2016). وفي الفترة نفسها تقريباً وعلى نحو مماثل، زادت دعمها للثوار الحوثيين في اليمن.

هل هو تأثير ترامب؟

واصلت إيران الكثير من هذه الأنشطة على مدى الأشهر الأولى من عام 2017، في حين أصبحت القوات الموالية للنظام السوري أكثر حزماً – ربما يعود ذلك جزئياً إلى الرغبة في اختبار الإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة ترامب. وأدى ذلك إلى سلسلة من الردود العسكرية السريعة من جانب الولايات المتحدة، بما فيها هجوم بالصواريخ الجوالة الموجهة على “قاعدة الشعيرات الجوية” في سوريا بعد أن استهدف النظام السوري المدنيين بالأسلحة الكيميائية (نيسان/أبريل 2017)، واعتراضات جوية لوحدات الميليشيا التي تدعمها إيران (ثلاث مرات في الفترة أيار/مايو – حزيران/يونيو 2017) وطائرات الاستطلاع المسلحة  بدون طيار (مرتين في حزيران/ يونيو 2017) التي هددت الثوار ومستشاري التحالف الدولي المتواجدين على مقربة من بلدة التنف السورية الواقعة على الحدود، وإسقاط مقاتلة سورية من طراز “سو-22” كانت قد شنت هجوماً على وحدات الثوار والمستشارين الأمريكيين بالقرب من مدينة الثورة (حزيران/يونيو 2017)، وإطلاق نار تحذيري باتجاه دورية بحرية إيرانية كانت تناور بطريقة استفزازية (تموز/يوليو 2017)، وهجوم على القوات الموالية للنظام التي كانت تهدد الثوار الأكراد السوريين والمستشارين الأمريكيين بالقرب من دير الزور، مما أدى إلى مقتل ما بين 200 و300 منهم وفقاً لبعض التقارير، ومن بينهم عدد كبير من المرتزقة الروس (شباط/فبراير 2018).

وعلى الرغم من أن هذه الردود كانت محدودة النطاق وتم تنفيذها في الغالب كتدابير لحماية القوات، إلا أنها أدخلت عامل الشك في الحسابات الإيرانية. وعموماً، تصرّفت إيران منذ ذلك الحين بحذر أكبر تجاه الولايات المتحدة. فالمرة الأخيرة التي احتجزت فيها القوات الإيرانية مواطناً أمريكياً كانت في شهر آب/أغسطس 2016 (كانوا يعتقلون سابقاً أمريكياً واحداً أو اثنين كل عام أو نحو ذلك لمدة دامت ما يقرب من عشر سنوات، وبعضهم ما زالوا قابعين في السجون). وبالمثل، لم تجرِ إيران أي اختبارات للصواريخ متوسطة المدى منذ تموز/يوليو 2017، ولم تضايق السفن الحربية الأمريكية في الخليج منذ شهر آب/أغسطس من ذلك العام.

ولكن في ذلك الوقت تقريباً، اتخذت إيران موقفاً أكثر حزماً من السعودية وإسرائيل. ووفقاً لبعض التقارير باشرت طهران بأعمال بناء مصانع للصواريخ في لبنان وسوريا واليمن، كما حاولت شنّ هجوم إلكتروني مدمّر على البنية التحتية النفطية السعودية (آب/أغسطس 2017)، وزوّدت الحوثيين بصواريخ متوسطة المدى استُخدمت لاستهداف الرياض (بدءاً من تشرين الثاني/نوفمبر 2017)، وحاولت أيضاً شن هجوم بطائرات بدون طيار ضد إسرائيل من سوريا (شباط/فبراير 2018)، وشجّعت «حماس» على محاولة التوغل عبر حدود غزة مع إسرائيل والقيام بهجمات عنيفة (بداية آذار/مارس 2018). ويبدو أيضاً أن إيران و«حزب الله» يساعدان حركة «حماس» على إنشاء قاعدة عمليات ضد إسرائيل في جنوب لبنان.

وقد تكون بعض هذه التحركات بمثابة امتدادٍ منطقي لأنشطة طهران السابقة في تلك المناطق. ومع ذلك، فقد تعكس أيضاً الرغبةً في تصعيد الهجمات ضد أبرز حلفاء أمريكا في المنطقة بالتزامن مع القرار الإيراني بوقف التصعيد (على الأقل مؤقتاً) في سوريا والخليج.

وأياً كان الأمر، يمكن استخلاص عدة استنتاجات من هذه التجربة:

  • ردّاً على الإجراءات المتخذة ضد البرنامج النووي الإيراني، تميل إيران إلى إطلاق التهديدات وزيادة أنشطتها النووية والقبول بقيود مؤقتة على برنامجها متى لزم الأمر، بالإضافة إلى الرد على الضغوط المتنامية بعمليات إلكترونية وعسكرية وإرهابية. ومع ذلك، فإن محاولات المقاومة النووية هذه تبقى منفصلةً عن الأعمال التي تقوم بها إيران في سوريا والعراق وأفغانستان والخليج – على الأقل في الوقت الراهن.
  • على الرغم من انتهاجها سياسة حازمة بشكل متزايد، لا تزال إيران معرّضة للمخاطر والتكاليف وتتحلى بالمرونة على المستوى التكتيكي. وسوف تتراجع عندما تُجابَه بردّ صارم لتعود وتتحرك في الوقت والمكان الأكثر ملاءمة.
  • منذ عام 2017، قللت إيران من جهودها لاختبار القوات الأمريكية في سوريا والخليج، ربما بسبب عدم يقينها من نوايا إدارة ترامب. وفي الوقت نفسه زادت أنشطتها ضد إسرائيل والسعودية، ربما لفرض تكاليف على حلفاء واشنطن عندما يتعذر عليها معاقبة الولايات المتحدة مباشرةً.

الاعتبارات المحلية

ساهم ميزان القوى داخل إيران أيضاً في صياغة خيارات النظام بشأن هذه القضايا. ففي عام 2015، ربما حاول المرشد الأعلى علي خامنئي تحقيق التوازن بين قبول «خطة العمل الشاملة المشتركة» – التي كانت بمثابة رشوة للمحافظين البراغماتيين أمثال الرئيس حسن روحاني – من خلال منح قائد «فيلق القدس» التابع لـ «الحرس الثوري الإسلامي» الإيراني قاسم سليماني وغيره من المتشددين حريةً أكبر لمواصلة العمل بما يفضّلونه في سوريا وأماكن أخرى. وربما يكون قد فعل الأمر نفسه عام 2017، حين بدا أنه يضبط نشاط «الحرس الثوري» ضد القوات الأمريكية في سوريا بينما أعطى حريةً أكبر لسليماني ضد إسرائيل والمملكة العربية السعودية.

وبالفعل يبدو أن المسؤولين في «الحرس الثوري» أقل تهرّباً من المخاطر مقارنةً بالقيادة المدنية في طهران، ولذلك إذا اكتسبوا صلاحيةً أكبر في صنع القرار (على سبيل المثال، نتيجة لعجز خامنئي عن تأدية مهام منصبه)، فمن المرجح أن تتصرف إيران بصورة أكثر عدوانية. وقد تتفاقم النزعة العرضية لدى النظام بالتجاوز والمبالغة من خلال الاعتقاد بأن الزخم إلى جانب إيران ووكلائها، وذلك بعد نجاحهم في حث إسرائيل على الانسحاب من لبنان (عام 2000)، مما ساهم في فك الارتباط الأمريكي من العراق (عام 2011)، وإنقاذ نظام الأسد من “المؤامرة” الأمريكية – الصهيونية – السعودية. وربما منح ذلك طهران الثقة الكافية لإرسال طائرة استطلاع هجومية بدون طيار إلى داخل المجال الجوي الإسرائيلي في شباط/فبراير، وضرب قوات الثوار والمستشارين الأمريكيين المتواجدين قرب دير الزور خلال الشهر نفسه. وفي المرحلة المقبلة، من شأن طريقة التفكير هذه أن تدفع طهران إلى الرد على الضغوط النووية غير المسبوقة من خلال تكثيف مقاومتها في المجالين النووي والإقليمي (ويشمل ذلك، سوريا والعراق وأفغانستان والخليج) وربط هذه الأنشطة بطرق لم تعهدها في السابق.

———————————————————————————-

مايكل آيزنشتات هو زميل “كاهن” ومدير برنامج الدراسات العسكرية والأمنية في معهد واشنطن.

 

إيران بعد الانسحاب من «خطة العمل الشاملة المشتركة»

 (الجزء الثاني): رسم معالم ردّ طهران

مايكل آيزنشتات

معهد واشنطن لسياسة الشرق الادنى 17/7/2018

اقرأ الجزء الأول من هذا المرصد السياسي، الذي يبحث الدروس المستخلصة من حملات الضغط السابقة ضد برنامج إيران النووي.

رداً على انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي وإعادة فرض العقوبات ذات الصلة، ستتصرف إيران على الأرجح وفق المبادئ التي اعتمدتها خلال الأزمات النووية السابقة. فقد تقوم باختبار القيود النووية التي فرضتها «خطة العمل الشاملة المشتركة» أو تتجاوزها، وتردّ بالمثل على الضغوط المكثفة في مجالات أخرى، وتبحث عن وسائل بديلة في المرحلة المقبلة عندما تواجه رداً حازماً، وتحاول التخفيف من أثر العقوبات من خلال دق إسفين بين الولايات المتحدة والمجتمع الدولي.

وقد تعمل طهران أيضاً على تكثيف أنشطتها الإقليمية – التي لم تكن جزءاً من مقاومتها السابقة المتعلقة بالأسلحة النووية – مما أدى إلى إزالة الحدود بينهما وتعزيز احتمالية التصعيد في أحد المجالين أو كليهما. وإذا أدت العقوبات الأمريكية إلى تراجع ملحوظ في دخل النفط الإيراني (وهي مسألة غير مؤكدة في الوقت الحاضر) أو استنتجت طهران أن واشنطن تبذل جهدها لتغيير النظام، فقد تلجأ إلى التخريب أو إثارة الفوضى في الخليج العربي، أو شنّ هجمات إرهابية، أو حتى تجاوز العتبة النووية. وقد تساهم إجراءات إدارة ترامب خلال الأشهر المقبلة في تحديد المسار الذي ستختاره إيران.

خيارات ايران

سوف يُحدد رد فعل الجمهورية الإسلامية جزئياً من شدة حملة الضغط الأمريكية، والطريقة التي تتفاعل بها واشنطن مع الاختبارات الإيرانية، والدرجة التي تعتقد طهران أن أمريكا ستدعم سياستها القائمة على أقصى قدر من الضغط بالقوة العسكرية. وإذا استطاعت إيران تدبير أمرها رغم العقوبات، فقد تواصل الالتزام بقيود «خطة العمل الشاملة المشتركة» وفصل محاولاتها المتواضعة المتعلقة بالمقاومة النووية عن أنشطتها غير النووية والإقليمية. وإذا كان أثر العقوبات الأمريكية كبيراً، فقد لا تنسحب إيران من «خطة العمل الشاملة المشتركة» لتفادي تجدد العقوبات الدولية عليها، على أن تقاوم في الوقت نفسه في مجالات أخرى. وفي أسوأ الحالات، قد ترد إيران على كافة الجبهات دفعةً واحدة – رغم أن هذا السيناريو يبدو مستبعداً في الوقت الحالي. وبالتالي، أمام طهران مجموعة واسعة من خيارات التعامل التي يمكنها موازنتها وفقاً للظروف.

سياسة حافة الهاوية النووية. أشارت إيران إلى أن انسحاب الولايات المتحدة من «خطة العمل الشاملة المشتركة» قد يدفع بها إلى زيادة جمع مكونات أجهزة الطرد المركزي واستئناف إنتاج مخزون سادس فلوريد اليورانيوم لغرض التخصيب – وهي أنشطة لا تنتهك «خطة العمل الشاملة المشتركة» ولكنها تثير المخاوف من احتمال إقدام طهران على ذلك في نهاية المطاف. وبإمكان النظام أيضاً تسريع وتيرة العمل على الصواريخ البالستية التي يتخطى مداها الـ 2000 كيلومتر التي هي الحدود الحالية التي وضعتها إيران لنفسها. (وقد أعلنت هذا الحد في عام 2011 كبادرة تجاه أوروبا ولكنها قامت منذ ذلك الحين باختبار نظام أطول مدى، هو خرمشهر، وهددت بتجاوز هذا المدى في حالة تهديد أوروبا لإيران).

إذا تم تطبيق العقوبات الأمريكية الثانوية بشكل صارم وتسببها بفرض تكاليف باهظة، فقد تختار طهران في النهاية أشكالاً أكثر خطورة من سياسة حافة الهاوية النووية. على سبيل المثال، يمكن أن تتجاوز السقف الذي حددته «خطة العمل الشاملة المشتركة» من خلال تخصيب مخزوناتها من اليورانيوم بما يتخطى المستوى المسموح به حالياً (أي 3.67 في المائة من “اليورانيوم 235”)، أو من خلال تخزين أكثر من 300 كيلوغرام من اليورانيوم المنخفض التخصيب. كما يمكنها تعليق تنفيذ “البروتوكول الإضافي” أو وقف التعاون مع “الوكالة الدولية للطاقة الذرية”. وقد يؤدي الانسحاب البطيء والتدريجي من قيود «خطة العمل الشاملة المشتركة» إلى تعقيد جهود الولايات المتحدة للضغط على إيران، لا سيما إذا أعلن النظام أنه سيحترم هذه القيود مجدداً فور انضمام الولايات المتحدة من جديد إلى الاتفاق (على الرغم من أن الدول الأوروبية الرئيسية أشارت إلى أن أي انتهاكات لـ «خطة العمل الشاملة المشتركة» من شأنها دفع عملية إعادة العقوبات النووية).

وإذا ما عجزت مقاربة تدريجية عن التخفيف من وطأة العقوبات، قد تسعى إيران إلى بناء قدرات تتجاوز العتبة النووية من خلال تخزين كميات كبيرة من المواد الانشطارية على وجه السرعة (ما يسمى بنموذج اليابان) من أجل زيادة الضغوط على الولايات المتحدة، أو قد تكشف جوانب مخفية من برنامجها النووي من أجل صنع عدد صغير من الأسلحة، ربما لاستئناف المفاوضات من موقع قوة والتوصل إلى رفع العقوبات مقابل الموافقة على تجميد ترسانتها النووية الناشئة (ما يسمى بنموذج كوريا الشمالية). ومع ذلك، فإن أياً من المسارين قد يؤدي إلى تحفيز القيام بعمل عسكري من قبل إسرائيل القلقة أو من قبل الولايات المتحدة (وهذا أقل احتمالاً). ولم يشر الرئيس ترامب حتى الآن، إلى ما إذا كان مستعداً لاستخدام القوة ضد برنامج إيران النووي؛ وقد يتوقف ذلك جزئياً على ما إذا كانت الدبلوماسية قد احتوت خطر الحرب مع كوريا الشمالية.

المقاومة النووية الإقليمية. منذ أوائل ثمانينيات القرن الماضي، أعلنت إيران أنها إذا لم تستطع تصدير النفط، فلن تتمكن أي من الدول المجاورة تصديره أيضاً. وبالتالي، فإن العقوبات الأمريكية التي تحدّ بشكل كبير من عائدات النفط الإيرانية قد تدفع النظام إلى عرقلة إنتاج النفط وتصديره على الجانب العربي من الخليج عن طريق الهجمات الإلكترونية أو أعمال التخريب أو التحرك العسكري. وفي نهاية المطاف، قد تستهدف مثل هذه الخطوات مضيق هرمز، الذي يُعتبر ممر معظم الصادرات والواردات الإيرانية – رغم أنه لهذا السبب، من غير المحتمل أن تتخذ إيران خطوات تهدد قدرتها على استخدام المضيق.

وعلاوةً على ذلك، إذا تسببت الضغوط الأمريكية المتزايدة بزعزعة استقرار الجمهورية الإسلامية، فقد تقرر طهران دمج جهود منفصلة سابقاً لإبعاد الضغوط عن البرنامج النووي الإيراني وتقويض المصالح الأمريكية في سوريا والعراق وأفغانستان. ولتحقيق هذه الغاية، قد توجه إيران وكلاءها نحو استئناف الهجمات على العناصر الأمريكية في هذه الدول أو زيادة وتيرتها.

وعلى نحو بديل، بإمكان إيران معاقبة الولايات المتحدة من خلال زيادة أنشطتها ضد إسرائيل والمملكة العربية السعودية سواء من خلال القيام بعمليات مباشرة أو عن طريق وكلائها. وفي ظل عودة القوات الموالية للأسد إلى جنوب سوريا في أعقاب الهجوم الأخير الذي قام به النظام هناك، فقد تحاول طهران في النهاية زعزعة استقرار الأردن لتسهيل نقل الأسلحة إلى فلسطينيي الضفة الغربية – كما دعا المرشد الأعلى علي خامنئي في عام 2014.

ورداً على التهديد المتزايد الذي تشكله إيران ووكلائها خلال الحرب السورية، نفذت إسرائيل أكثر من 100 غارة داخل الأراضي السورية منذ أوائل عام 2013، مستهدفة بذلك مستودعات الأسلحة وقوافل نقل الأسلحة إلى «حزب الله». ومنذ أواخر عام 2017، ضربت إسرائيل المنشآت العسكرية الإيرانية في سوريا بشكل متكرر أيضاً، لمنع إيران من تحويل تلك البلاد إلى نقطة انطلاق للأعمال العسكرية ضد إسرائيل. وإذا تمت إساءة التعامل مع الوضع، يمكن لهذه الصراعات المستمرة أن تعقّد الأزمة النووية الإيرانية الناشئة، مما يؤدي إلى اندلاع حرب لا يبدو أن أحداً يريدها – على الأقل في الوقت الحالي.

توصيات سياسية

الآن بعد انسحاب واشنطن من «خطة العمل الشاملة المشتركة»، كيف يمكنها أن تُحدد ردود فعل إيران في الوقت الذي تعزز فيه المصالح الأمريكية بأقصى قدر من الفعالية في المنطقة؟ لا بدّ من قيام عمل متضافر وموحد يسترشد بالمبادئ التالية:

إستراتيجية شاملة. تحتاج الولايات المتحدة إلى وضع إستراتيجية بشأن إيران تشمل كافة عناصر القوة الوطنية، حيث أن العقوبات وحدها قد لا تكون كافية. ومن أجل تقليص احتمال اتخاذ قرارات غير مثالية تستند إلى الاندفاع أو النفعية السياسية، على الإدارة الأمريكية انتهاج مقاربة مدروسة تربط بشكل واضح بين الوسائل والغايات مع تسليطها الضوء على التكاليف والفوائد والمقايضات التي ينطوي عليها كل خيار. ويشمل ذلك إدراك المخاطر التي تنطوي عليها سياسة أقصى درجات الضغط، والتي قد تقنع طهران بأنه ليس لديها ما تخسره بسبب تعطيل شحنات النفط الإقليمية أو محاولة تجاوز العتبة النووية.

الخطة البديلة. حتى في الوقت الذي تُطبّق فيه واشنطن مقاربة الضغط الخاصة بها، فإنها تحتاج إلى تدابير وقائية من أجل معادلة المخاطر المرافقة لهذه السياسة. ويعني ذلك خيارات الاستعداد لاحتواء برنامج نووي إيراني أُعيد تشكيله إذا رفض النظام المفاوضات وأثبت قدرته على كبح الاضطرابات الداخلية – لا سيما إذا أظهرت إدارة ترامب أو إسرائيل عدم رغبتهما على التعامل مع البرنامج عسكرياً أو عدم قدرتهما على القيام بذلك.

المقاومة في سوريا – وخارجها. تُعتبر مواجهة وكلاء طهران وعملياتها العسكرية في سوريا (وفي دول أخرى) أساسية من أجل تقويض قدرة إيران على مقاومة العقوبات النووية عبر تنفيذ خطوات في المنطقة. وتحقيقاً لهذه الغاية، على الولايات المتحدة التعاون مع روسيا حول الحفاظ على قدرة إسرائيل على تعطيل الجهود الإيرانية الرامية إلى تحويل سوريا إلى منصة لبسط نفوذها في المشرق.

دعم العقوبات بخيارات سرية/عسكرية. يتعين على واشنطن إعلام طهران بأنها إذا أعادت بناء برنامجها النووي، ستطلق الولايات المتحدة حملة سرية لزعزعة استقرار النظام وإرغامه على تحويل موارد إضافية للأمن الداخلي – مستغلةً مخاوف إيران من “ثورة ناعمة” مستوحاة من الخارج. ويجب أن يتمثل الهدف في الردع وليس تغيير النظام. ومن أجل منع إيران من تجاوز العتبة النووية، ينبغي على الولايات المتحدة أن تحافظ على استعدادها لتوجيه ضربة وقائية ضد البرنامج النووي الإيراني إذا لزم الأمر. كما يتعين على واشنطن أن تُحذر طهران من أنه إذا قامت قواتها أو قام وكلاؤها باستهداف الأفراد الأمريكيين، فسيتم استهداف العناصر الإيرانية – بالطريقة نفسها التي تمّ فيها استهداف قادة تنظيميْ «القاعدة» و«الدولة الإسلامية».

الاستعداد لإطلاق التدابير وتلقيها. تتمثل طريقة عمل طهران في الردّ بالمثل على الأعمال العدائية من أجل تعزيز الردع؛ وعليه، قد تتسبب الهجمات الإلكترونية التي تنفذها الولايات المتحدة قيام إيران بهجمات مماثلة وقد تسفر التدابير الرامية إلى خفض إيرادات النفط الإيرانية عن وقف إمدادات النفط في جميع أنحاء الخليج. وبالتالي، يتعين على واشنطن تجنب أي خطوات من شأنها أن تؤدي إلى ردود هي غير مستعدة للتعامل معها – على سبيل المثال، بدلاً من قطع إيرادات النفط بالكامل، بإمكانها ضمان حصول إيران فقط على ما يكفي من دخل النفط لكي لا تتم عرقلة صادرات دول الخليج العربية. وعلى نحو مماثل، إذا وصل الأمر بواشنطن إلى الترويج بشكل فعال من أجل تغيير النظام، فقد تدفع طهران إلى الردّ من خلال تكثيف هجمات وكلائها على الأفراد الأمريكيين في المنطقة وشن هجمات إرهابية على المصالح الأمريكية هناك. (وبالفعل، أدت المخاوف من تغيير النظام، إلى دفع طهران على ما يبدو، إلى استئناف اغتيال ناشطين معارضين إيرانيين في أوروبا بعد توقف دام عقوداً من الزمن).

على الأصدقاء أن لا يفاجئوا أصدقاءهم. يجب على واشنطن أن تضغط على حلفائها لتنسيق خطواتهم ضد إيران بشكل أوثق، لكي لا تتورط الولايات المتحدة عن غير قصد في هذه الخطوات ويتمّ استهدافها في المقابل. وربما حدث ذلك في تشرين الأول/أكتوبر 2016، حين أسفرت ضربة جوية سعودية في اليمن عن مقتل أكثر من 140 مشاركاً في جنازة، وأدت إلى شن عدة هجمات على المدمّرة “يو أس أس ميسون” على يد متمردين حوثيين مرتبطين بإيران. وقد تحْدُث أعمال انتقامية مماثلة رداً على ضربة إسرائيلية واضحة خلال حزيران/يونيو الماضي أسفرت عن مقتل أكثر من 50 مقاتلاً عراقياً مدعوماً من إيران في شرق سوريا.

استعادة مصداقية الولايات المتحدة على صعيدي النفوذ والردع. قد تؤدي فجوة المصداقية الأمريكية القائمة منذ فترة طويلة مع طهران إلى تعقيد المساعي الرامية إلى تحديد معالم الخيارات المستقبلية للنظام. وكان الرد الأمريكي المقيّد على الهجمات التي رعتها إيران على الأفراد الأمريكيين في بيروت (عام 1983) والسعودية (عام 1996) والعراق (بعد عام 2003) قد أثبت لطهران أنه بإمكانها خوض حرب بالوكالة على الولايات المتحدة دون خطر مواجهتها أي ردّ عسكري. ونظراً إلى معارضة الرئيس ترامب العلنية لوجود عسكري أمريكي طويل الأمد في سوريا والفجوة الكبيرة بين أقواله وأفعاله بشأن إيران، لا يزال هناك الكثير الذي يجب عمله لإصلاح مصداقية الولايات المتحدة.

التوازن الصحيح على صعيد السياسة. يكمن التحدي الذي تواجهه واشنطن في فرض تكاليف كافية لإعادة طهران إلى طاولة المفاوضات، ولكن دون التسبب بخطوات إيرانية تكون الولايات المتحدة غير مستعدة للتعامل معها أو قد تؤدي إلى نشوب صراع في المنطقة. وسوف يعتمد الكثير على ما إذا كانت طهران تتصرف بحذر أو تتمتع بالجرأة للمبالغة نتيجة النجاح الذي حققته مؤخراً في المنطقة والرسائل المتباينة التي تلقتها من واشنطن. وسيكون تغيير حسابات المخاطر بالنسبة لطهران وتحديد هيكلياتها التحفيزية – في ظل التصرف بحكمة – أساسييْن لإدارة التصعيد ونجاح السياسة على حدّ سواء.

———————————————————————————

مايكل آيزنشتات هو زميل “كاهن” ومدير برنامج الدراسات العسكرية والأمنية في معهد واشنطن.