التشيّع في سورية “بين الماضي والحاضر” [1-5]

أحمد بغدادي- حرية برس

” توطئة “

(1)

***

ينظر معظم الشعب السوري والعربي إلى ظاهرة التشيّع في سورية على أنّها ظاهرة حديثة، وليدة حقبة الثمانينات، بعد أن تمكّن ما يسمّى (آية الله الإمام الخميني) من الإطاحة بالشاه “محمد رضا بهلوي” عبر (الثورة الإسلامية الإيرانية) التي حرّكها الخميني بدايةً من فرنسا بالخطابات التحريضية والدفع بالشارع الإيراني إلى التمرّد والاحتجاج على حكم الشاه بمساندة بريطانيا وأمريكا بعدما انتهت صلاحية الشاه بمنظور الرئيس الأمريكي وقتها “جيمي كارتر” والحكومة البريطانية متمثّلةً برئيس الوزراء البريطاني “جيمس كالاهان”؛ رأى الأخيران أنّ “الشاهنشاه” أصبح عبئاً عليهما، ممّا دفعهما إلى عقد اجتماع سرّي بتاريخ 1 كانون الثاني 1979 في جزيرة “غوادلوب” الفرنسية التي تقع على البحر الكاريبي يضمّ كلاً من الرئيس كارتر، ورئيس وزراء بريطانيا كالاهان، والمستشار الألماني هيلموت شميت، والرئيس الفرنسي فاليري ديستان، أظهر وقتها كارتر رغبته الحازمة والمبيّتة مع البريطانيين بإسقاط نظام الشاه عبر انقلاب مُجهّز ومدروس من كافة الجوانب، لذا؛ تم إرسال “روبرت هايزر” قائد “حلف الناتو ” بشكل سري إلى طهران، برفقة السفير الأمريكي في إيران “وليام سوليفان” لإبلاغ الشاه أنّ عليه الاستعداد للرحيل من إيران.

تأتي الأحداث متعاقبة بدايةً من فرنسا حتى وصول الخميني إلى طهران في شباط 1979 لتأخذ طابعاً دمويّاً على الأراضي الإيرانية من خلال تصفيّة كل من يشكّل خطراً على (ثورة الخميني) وتصدير “ولاية الفقيه” إلى الدول العربية والإفريقية بمباركة أمريكية بريطانيّة وصمت غربي وعربي.

بداية حقبة الخميني كان دورها فعّال داخل إيران في إحكام القبضة الأمنية المتمثّلة بقوات الباسيج على المجتمع الإيراني، الذي يضم نسيجاً عربياً وكرديّاً، وغيرهما، من شرائح مثل البلوش وأقليّة أزيديّة عدا عن التركمان والأذربيجانيين؛ لذا كما ذكرنا في البداية فإن معظم العوام من الناس يظنون بالغ الظنّ أنّ الدور الرئيس في ظاهرة التشيّع كان سببه الخميني، نعم، هنالك جزء كبير ودور خطير قام به الخميني لفرض التشيّع على المكونات غير الفارسية في إيران، وتصدير ولاية الفقيه إلى البلدان الأخرى ونشر التشيّع.. إنما هنالك أسباب أخرى ومفصليّة سوف نذكرها في الجزء الثاني من المادة ساعدت على انتشار التشيّع خارج إيران وخاصةً في سورية.

***

لمحة عن الشيعة في سورية والعراق تاريخيّاً:

أثناء قيام الدولة الأموية بعد “الخلافة الراشدة”، بدأت بعد تثبيت حكمها، بسياسة التضييق على شيعة الإمام علي، وخاصةً في الشام والكوفة، ومن ثم أخذت الاغتيالات السياسية تتوالى وتطال كل المؤثرين من قادة وأصحاب رأي وحجّة بذريعة وأد الفتنة، والحدث الكبير بدأ بقتل الصحابي “حجر  بن عدي” بإصرار من معاوية وزياد بن أبيه العامل على ولاية الكوفة بعد “المغيرة بن شعبة” الذي كان متساهلاً مع موالي الإمام علي. إذن، كان الوجود “الشيعي” في بداياته منافساً ــ سياسيّاً ــ  لا عقائدياً كما يُطرح ويروّج له، والأغلب من أهل (السنة) ضد أي مسٍّ أو انتهاك إنساني بحق أي شخص يعتنق مذهباً ما أو ديناً آخر، لكن الأمور فيما بعد أخذت منحىً مغاير وهذا ما سوف نفنّده لاحقاً.

العباسيون كانوا أشدّ فتكاً بكل طامح ومنافس للسلطة، وخاصةً ممن هواهم يميل إلى موالاة “حكم العلويين” (الأحق بالحكم) كما يرى أنصار الإمام “علي وابنيه الحسن والحسين”. فكان منهجهم في البداية ضد الشيعة يأخذ شكلاً “إعلاميّاً”، فقد كانوا يغرون الشعراء بالجوائز ليمدحوهم ويعرّضون بأبناء “عليّ” وينفون عنهم حقّ الخلافة. بعد ذلك، صار دأبهم دأب الأمويين، لكن بطرق أخرى، منها الغيلة بالسمِّ والسجن والنفي والقتل لكل من تثبت عليه حتى لو بالظنّ تهمة الدعوة لنشر عقيدة التشيّع (حب آل البيت) أو مناصرة قضيتهم المتمثّلة بأحقية الخلافة (1).

في القرن الرابع الهجري بشكل واسع انتشر التشيّع في مدينة الموصل وحلب السورية وخاصةً بعد أن سيطرت الدولة الحمدانية على الحكم؛ وقتها، كان المجتمع الحلبي على المذهب السنّي “حنفي  ــ  شافعي”، بعدها تدريجيّاً أخذ التشيّع يتغلّغل في مدينة حلب ويغلب على الأكثرية دون إجبار من السلطة إنما بطرق ترغيبية (بالدعوة) ومتسامحة دون مشاحنات مع أهل السنّة أو أي خلافات مع باقي المذاهب أو الأديان كالمسيحية واليهود.

سيف الدولة الحمداني كان يحذو حذواً “براغماتيّاً” مع أهل حلب بالأخص، حيث كما ذكرنا أنّ المجتمع الحلبي لم يُكره على اعتناق المذهب الشيعي، بل تركَ سيف الدولة الأمور تجري حسب رغبة العامّة من الناس في اختيار  المذهب، أو البقاء على ما كانوا عليه؛ على عكس الدولة الأيوبية فيما بعد، التي عصفت بالمذهب الشيعي، وانبرت تجتثّ كل من يدعو إلى اعتناق المذهب وحاربت الشيعية ابتداءً من حلب وصولاً إلى مصر إبان حكم الفاطميين. ومما أدّى إلى تناقص عدد الشيعة في سورية أيضاً، محاربة الدولة العثمانية لهم، ومحاولة استئصالهم وحسرهم ضمن أقليّة صغيرة تكاد تكون شبه موجودة في تلك الفترة، إلا أنّ مؤامرات الدولة الصفوية، بقيادة الشاه “إسماعيل” مع البرتغاليين ضد العثمانيين، عزّزت من إضعاف العثمانيين وإلهائهم بحروب مع الأوربيين ــ الصليبيين ــ  الذين (يُعانون) من اليد الطولى للعثمانيين على أراضيهم، وخاصةً في “البلقان”. وما بعدها، أجبرَ العثمانيون على توقيع معاهدة قارلوفجه” عام 1110هـ(كارلوڤيتس) التي أخرجتهم من “المجر” لتستمر خلفها الهزائم حتى بداية الحرب العالمية الأولى وسقوط الحكم العثماني الذي كان له صدىً كبير تمخّض عنه تقسيم ديموغرافي ــ جغرافي في أنحاء البلاد التي حكمها العثمانيون  وخاصةً في سورية. (2)

إحصائيات للطوائف والأديان الأخرى في سورية:

بعد انسحاب القوات التركية من دمشق عام 1918 م / سادت حالة الفوضى والفراغ وقتها حتى إعلان الأمير “فيصل بن الحسين” عن قيام دولة عربية في سورية ليصار إلى تأسيس مؤتمر وطني بتاريخ 1919 حزيران يدعو إلى الاستقلال العام للسوريين. وليس بالبعيد جاءت اتفاقية “سان ريمو” الموقّعة من قبل المجلس الأعلى للحلفاء في مدينة “سان ريمو “الإيطاليّة/ التاسع عشر من نيسان من عام 1920م، حيث تمّ في تلك الاتفاقيّة مُباحثة شروط الصُّلح مع تركيا وضمّ لواء اسكندرون ضمن اتفاق بين الفرنسيين والأتراك لاحقاً عام 1939، بالإضافة إلى وضع ترتيبات الانتداب في المناطق العربيّة، ورسم مستقبل المنطقة العربيّة المبنيّ على التّجزئة والانتداب. (3)

وفيما يلي نضع إحصائيات خاصة بسورية تمّت بشكل حيادي ومأخوذة عن دراسات على الأرض من قبل حكومات ومنظمات ومراكز دراسات:

إحصاء عام 1943 / الحكومة الفرنسية ” الطوائف السورية”

السنّة: 1,970,000 نسمة (68.9%)

المسيحيون: 403,000 نسمة (14.1%)

العلويون: 325,300 نسمة (11.4%)

الدروز: 87,200 نسمة (3%)

اليهود: 29,800 نسمة (1%)

الشيعة الإسماعيلية: 28,500 نسمة (1%)

الشيعة الجعفرية: 12,700 نسمة (0.4%)

الآيزيديون: 2,800 نسمة (0.1%)  المجموع : 2.86 مليون نسمة.

إحصاء عام 1951 / الحكومة السورية:

السنّة: 2,306,000 نسمة (70.4%)

المسيحيون: 460,400 نسمة (13.8%)

العلويون: 374.900 نسمة (11.2%)

الدروز: 104.900 نسمة (3.1%)

الشيعة الإسماعيلية: 34,500 نسمة (1%)

اليهود : 31,500 نسمة (1%)

الشيعة الجعفرية : 14,200 نسمة (0.4%)

الآيزيديون: 2,900 نسمة (0.1%) ← المجموع : 3.33 مليون نسمة.

إحصاء عام 1985 / كتاب “سوريا بالأرقام” للمركز اللبناني للدراسات الاستراتيجية:

السنّة: 76.1% (7.84 مليون نسمة)

العلويون: 11.5% (1.185 مليون نسمة) *

المسيحيون: 8% (824 ألف نسمة)

الدروز: 3% (309 ألف نسمة)

الشيعة الإسماعيلية: 1% (103 ألف نسمة)

الشيعة الجعفرية: 0.4% (41 ألف نسمة) ← المجموع: 10.3 مليون نسمة.

التواجد الشيعي في سورية حسب المدن والبلدات: 

محافظة حلب: نبل والزهراء / الريف الشمالي (أكثريّة).

محافظة إدلبالفوعة وكفريا وزرزور في الريف الشمالي الشرقي والشمالي (أكثريّة).

 معرة مصرين/ شمال شرق مدينة إدلب (أقليّة).

محافظة حماة : مصياف/ (أقليّة) من أصول علوية، تشيعت بفعل تيار الإحياء الجعفري الذي أسسه الشيخ “عبد الرحمن الخير” في الخمسينات والستينات من القرن الماضي.

محافظة حمص : أحياء البياضة والعباسية (أقليّة). الأرياف الشرقية والغربية للمدينة في أكثر من 40 إلى 60 قرية وبلدة، من أبرز هذه القرى والبلدات: الغور الغربية، الربوة (الدلبوز)، أم العمد، جنينات، أم حارتين، المزرعة، السماقيات، حاويك، الحميدية.

محافظة ريف دمشق: الغوطة الشرقية / (أقليّة)  في بلدات راوية وحوش الصالحية وعين ترما، بلدة السيدة زينب فهم حديثو العهد.

محافظة دمشق: حي الأمين (الخراب)/ دمشق القديمة (أكثرية) / الجورة والصالحية/ (أقليّة).

محافظة درعا: بصرى الشام من أصول لبنانية / جبل عامل قبل 150 سنة.

إن أعداد المتشيعين في سورية بلغت أكثر من 73 ألف نسمة منذ 1970 م وحتى 2007 م (بمعدل 1973 متشيعاً في السنة) ويتزايد المعدّل ليصل حتى عام 2011 م إلى 80 ألف متشيع بشكل تقريبي.

الشيعة في سورية مع أعداد المتشيعين:

الفرضية الأولى : 250000 + 80000 = 330 ألف نسمة (1.3% من سكان سوريا)

الفرضية الثانية : 200000 + 80000 = 280 ألف نسمة (1.1% من سكان سوريا)

الفرضية الثالثة : 130000 + 80000 = 210 ألف نسمة (0.9% من سكان سوريا). (4)

***

مراجع:

(1) كتاب “أبو العباس السفاح” / محمّد أحمد براق

(2) تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى إلى ولاية الفقيه / أحمد الكاتب.

(3) تقسيم سوريا.. مئة عام من الخطط والمحاولات (1916 – 2016) / مركز إدراك للدراسات والاستشارات

(4) إحصائية أجرتها حركة العدالة والبناء / كتاب “البعث الشيعي في سوريا 1919 م – 2007 م”

نهاية الجزء الأول

يتبع …