محمود الزيباوي: بحثاً عن أسمهان… البدايات

محمود الزيباوي- المدن 

في العاشرة من صباح 14 تموز/يوليو 1944، قضت أسمهان غرقاً في “ترعة الساحل” مع مرافقتها ماري قلادة، وذلك قبل أن تنهي تصوير المشاهد الأخيرة من فيلم “غرام وانتقام”. بحسب الرواية التي نقلتها الصحافة، كانت السيارة التي استقلّتها النجمة تتجه في أقصى سرعة من القاهرة إلى رأس البرّ حين هوت في المياه، ولم ينج غير السائق.

أتمّ يوسف وهبي الفيلم بعد رحيل بطلته ليُعرض في نهاية العام. وأعلنت الصحافة إعادة عرض فيلم أسمهان الأول، “انتصار الشباب”، في نهاية تموز/يوليو، وكتبت مجلة “الإثنين” في تعليقها على هذا الخبر: “قامت شهرة النجمة الخالدة الذكر أسمهان على كونها مطربة نالت أسمى مكانة في نفوس الجماهير. لكنها عندما مثّلت دور البطلة في فيلم “انتصار الشباب” أثبتت أنها تمتاز بموهبة عظيمة كممثلة تغزو القلوب بمواقفها الرائعة. وستشاهدونها إلى جانب شقيقها المطرب المحبوب فريد الأطرش في هذا الفيلم الغنائي الاستعراض العظيم. ويبدأ عرضه في سينما الكورسال وسينما الأهلي بالقاهرة في يوم الإثنين 31 يوليو الجاري”.

بدأ عرض “غرام وانتقام” في 10 كانون الأول/ ديسمبر، وحضر العرض الأول الملك فاروق الذي أبدى إعجابه بالفيلم، وأنعم برتبة البيكوية على مخرجه وبطله يوسف وهبي، كما نقلت “الإثنين”: “وأبى عطفه السامي ألاّ يشمل أسمهان، فأمر الملك بأن يُسمّى الصندوق الذي سينشأ لإعانة المحتاجين من الفنانين باسم “صندوق أسمهان” كتحية لفنّها، وتبرّع جلالته بمبلغ 500 جنيه لهذا الصندوق”. إلى جانب الملك، حضر عدد كبير من أهل الفن والسينما، وكان ممّن حجزوا الكراسي العليا ودفعوا مبلغ خمسين جنيها لكل منها محمد عبد الوهاب، فريد الأطرش، عزيزة أمير، محمود ذو الفقار، توجو مزراحي، جبرائيل نحاس، وبديعة مصابني. وتبرّعت الأخيرة بمبلغ خمسين جنيها لصندوق أسمهان، وقيل إن الكثير من العاملين في حقل السينما سيتبرعون بمبالغ أخرى لهذا الصندوق، وان هذا الافتتاح يمثّل “أعظم تقدير نالته ذكرى أسمهان”.

سجّلت أسمهان خلال حياتها القصيرة عدداً محدوداً من الأغاني، واقتصر نتاجها السينمائي على فيلمين، إلا أنها نالت بعد رحيلها شهرة واسعة لم تعرفها خلال مسيرتها الفنية التي بدأت في مطلع 1931 وانتهت في صيف 1944. رحلت أسمهان باكرا عن هذه الدنيا، غير أن أخبارها الخاصة عادت لتغزو الصحافة بشكل واسع بعد مرور سنتين. في تموز/يوليو 1946، ولمناسبة الذكرى الثانية لوفاتها، كتب زوج أسمهان الأخير، أحمد سالم، في مجلة “الصباح” مقالة بعنوان “كيف كانت أسمهان من أسباب انتصار الحلفاء في الشرق الأوسط”، ونقل رواية تقول إن أسمهان عادت إلى سوريا في مهمة سرية تقوم على دعوة أهل الجبل لمناصرة قوى المحور في حربهم على فرنسا المناصرة لألمانيا في ظل حكومة فيشي. وبعد عامين، قدّم محمد التابعي روايته للأحداث في سلسلة من المقالات استعاد من خلاله قصته الشخصية مع أسمهان، ونقل رواية أخرى لمسيرتها في الفن والسياسة والحياة. جاء الردّ النقدي على هذه الروايات من لبنان حيث كتب سعيد فريحة في مطلع العام 1949 في مجلة “الصياد” سلسلة من أربعة مقالات حملت عنوان “أسمهان في لبنان”، وقدّم رواية معاكسة تعزو اختلاط المطربة في هذه الحرب إلى حس المغامرة لديها، وسعيها إلى الحصول على المال الوفير الذي يؤمّن لها حياة الترف والعبث التي تعشقها. وتمثل هذه الروايات شهادات من رواة عرفوا أسمهان عن كثب، ورافقوها في حياتها الصاخبة.

هكذا تشكّلت اسطورة أسمهان بعد رحيلها، مع العلم بأننا لم نجد حتى اليوم أي حديث لها في الصحافة. في أيار/مايو 1957، بدأت مجلة “الكواكب” بنشر سيرة مصوّرة لأسمهان حملت عنوان “النغم الحزين”، واستهلّتها بالقول “كانت حياتها لامعة كالشهاب، قصيرة كعمره”. وفي مطلع الستينات، كتب فوميل لبيب في “المصور” سلسلة من المقالات استعاد فيها فريد الأطرش سيرة حياة شقيقته من المهد إلى اللحد، وخرجت هذه السلسلة في كتاب بعنوان “قصة أسمهان يرويها فريد الأطرش”، كما خرجت سلسلة مقالات التابعي في كتاب “اسمهان تروي قصتها”. تحولت هذه الروايات إلى مراجع استند إليها عدد من الكتّاب وضعوا بدورهم كتباً تروي سيرة أسمهان، منها “أسمهان ملهاة الحقيقة ومأساة اللغز” لعبد العزيز القويعي، “نجمة عابرة” لماري سورا، “أسمهان ضحية الاستخبارات” لسعيد الجزائري، و”أسرار أسمهان: المرأة، الحرب، الغناء” لشريفة زهور. بعد هذه السلسلة من الروايات والأبحاث، سطع نجم أسمهان في مسلسل تلفزيوني استند بشكل أساسي إلى كتاب “أسمهان لعبة الحب والمخابرات” للكاتب سعيد أبو العينين. عُرض هذا المسلسل عام 2008، وحصد نجاحا عظيما، وأعيد عرضه مرارا في السنوات الأخيرة. ومع هذا النجاح الكبير، عادت أسمهان إلى الواجهة، وعاد السجال القديم الدائر حول ظروف حياتها وموتها.

في الواقع، بقيت أسمهان خلال حياتها في الظل، كما تشهد الصحافة التي رافقت خطواتها، ولم تحتلّ إلا حيزاً بسيطاً في المساحة الإعلامية، على عكس ما يُمكن تصوّره. قبل ظهور اسم أسمهان، ظهر اسم أمل الأطرش في نهاية كانون الثاني/يناير 1931، حيث تحدثت مجلة “الصباح” عن “مطربة جديدة”، وجاء في هذا الخبر القصير: “تُقيم في مصر آنسة من كرائم آنسات لبنان وسليلة من أعرق بيوتاتها في الشرف والمجد، ويكفي أنها من عائلة الأطرش المعروفة، وهي الآنسة أمل، وقد عني بتلقينها أصول فن الموسيقى والغناء الأستاذ الموسيقار الكبير داود حسني، لما آنسه فيها من مخايل الذكاء والاستعداد الموسيقي النادر وستظهر للجمهور عما قريب تحفة من التحف الفنية النادرة”. بعد أسبوع، عادت المجلة ونشرت رسالة وصلتها من شقيق “المطربة الجديدة” التي أعلنت عنها، ونصّها: “صاحب الصباح، تحيةً واحتراماً، قرأت في عدد الصباح الأخير كلمة عن ظهور مطربة جديدة اسمها الآنسة أمل الأطرش، وانها ستظهر للجمهور قريبا، والحقيقة ان الآنسة طالبة بالمدارس، ولم تتم دراستها بعد، ولا بد لها من الاتمام، ولما كانت تميل بطبعها إلى فن الموسيقى، فهي تتلقى أصوله على يد الأستاذ داود حسني، كما تتلقى غيرها من الأوانس دروساً فنية للفن فقط، ارواءً للنفس منه، واني مع احترامي لهذا الفن وتقديري لأهله، أكذّب إشاعة قرب ظهورها للجمهور كمطربة، وخصوصاً أنها تنتمي إلى أسرة لها مركزها الخاص في بلاد العرب وهذا مما لا ترتاح إليه تقاليدنا ولا يسمح به مركزنا الاجتماعي والعائلي، وتفضلوا بقبول احترامات شقيق الآنسة الأكبر فؤاد الأطرش”.

ظهر اسم آمال الأطرش في “الصباح”، ثم غاب. وفي 23 حزيران/يونيو، ظهر اسم أسمهان في باب “الأغاني العصرية”، من دون أي إشارة إلى الاسم الأصلي، مع نص أغنية بعنوان “كلمة يا نور العيون”، وهي بحسب التعريف المرافق: “طقطوقة، نظم يوسف بدروس، تلحين الأستاذ محمد القصبجي، تغنّيها الآنسة أسمهان”. في 2 أكتوبر/ تشرين الأول، عادت “الصباح” إلى الحديث عن “النجمة الجديدة أسمهان”، من دون أي إشارة إلى “آمال الأطرش”، وقالت في حديثها: “لا يكاد أيّ محب للموسيقى والغناء يستمع قليلا إلى الآنسة أسمهان وهي تغرّد بصوتها العذب الحنون في أسطوانات كولومبيا حتى يقول في عجب وطرب: مدهش. ولا يلبث يكرر ليقول القارئ بدوره: مدهش. وأيضاً فإن إحدى الشركات الأخرى رغبت التعاقد معها، فأخبرتها شركة كولومبيا بما ينصّ عليه العقد، وهو دفع أي شركة تحاول التعاقد معها غرامة مالية كبيرة لشركة كولومبيا. ولقد خُصّص لها كبار الملحّنين كالأساتذة محمد القصبجي وداود حسني وزكريا أحمد وفريد غصن، فجاءت قطعها رائعة فذة تطرب لما تحسه فيها من روح آسية خلقت لتشجي النفوس. ويسحرك الصوت العذب الرائق فتستمع حقاً بنشوة الغناء، فكم من ضجة وأثر سوف تحدثهما في الوسط الفني، من غير حاجة إلى الدعاية والاعلان، فستكون اسطواناتها خير دعاية وأكبر اعلان لها”.

في عددها التالي، نشرت المجلة إعلاناً احتلّ صفحة كاملة من صفحاتها، مع نص يقول: “تدعوكم شركة كولومبيا لسماع النجمة الجديدة الآنسة أسمهان لتحكموا بأنفسكم انكم تستمعون إلى أعذب صوت حنون”. هكذا أطلقت شركة كولومبيا أسمهان في عالم الغناء، وقدّمتها في قصيدة “أين الليالي” وطقطوقة “يا نار فؤادي”، والقصيدة من نظم اسماعيل أفندي صبري وتلحين محمد القصبجي، أما الطقطوقة، فهي من شعر يوسف بدروس وتلحين فريد غصن. ونقع على إعلان آخر يقول “النجمة الجديدة بالقطر المصري أسمهان، وهي المطربة الجديدة التي لم تبلغ من العمر أكثر من 14 سنة، وقد حازت من الفن ما لم تحزه كبيرات المطربات”.

يقول التابعي ان أسمهان ولدت في 24 تشرين الثاني/نوفمبر 1912، ويتبنى فكتور سحاب هذا التاريخ في كتابه “السبعة الكبار” ليؤكد أن أسمهان سجلت أغانيها الأولى وهي في العشرين من عمرها. في المقابل يقول إعلان شركة كولومبيا بأن المطربة “لم تبلغ من العمر أكثر من 14 سنة”، واتضح أنها سجلت “يا نار فؤادي” في 1931، وليس في 1937 كما ذكر فكتور سحاب في كتابه. بعد “كلمة يا نور العيون”، “اين الليالي” و”يا نار فؤادي”، سجّلت أسمهان “في يوم ما شوفِك راضية عني” و”كنت الأماني”، من شعر يوسف بدروس وتلحين القصبجي. و”عاهدني قلبي”، نظم محمود إسماعيل، وتلحين زكريا أحمد.

دخلت أسمهان عالم الفن من الباب الكبير في العام 1931، ولفتت الأنظار إليها بسرعة. نقلت مجلة “الكواكب” خبرا يقول بأن إحدى الشركات السينمائية تتفاوض مع أسمهان “للقيام في دور غنائي” أمام بدر لاما في فيلم بعنوان “خفايا القاهرة”، والأكيد أن هذا المشروع لم يتحقّق. توقّفت انطلاقة أسمهان، ولا نجد في الصحافة الفنية التي رصدت هذه الانطلاقة أيّ تفسير لذلك. والأكيد أن آمال الأطرش احتجبت فترة زمنية تخلّت فيها عن الفن، وعاشت كأميرة “تنتمي إلى أسرة لها مركزها الخاص في بلاد العرب”، بحسب تعبير شقيها الأكبر فؤاد. بعد فترة يصعب تحديد مدّتها، عادت آمال الأطرش إلى القاهرة، وتقمّصت دور أسمهان من جديد.

تكررت هذه التجربة في السنوات الأخيرة من عمر أسمهان القصير، كما تشهد الصحافة التي رافقت هذه المسيرة الصاخبة. ويتّضح عند مراجعة هذه الصحافة ان الكثير من الروايات التي سادت بعد مرور سنوات عديدة على رحيل أسمهان تفتقر إلى أي سند متين.