مترجم: موطن الإنسان البدائي ليس شرق أفريقيا.. فمن أين نشأ البشر؟

صبري هلال- ساسة بوست

في أغنيته الشهيرة «أفريقيا مركز العالم»، يقول الموسيقي الأسطوري والناشط النيجيري فيلا كوتي: «لسنا العالم الثالث.. دائمًا ما كنّا في المقدمة»، والذي تم اعتقاله أكثر من 200 مرة لنشاطه السياسي، فقد تفاخر بالهوية الأفريقية من خلال موسيقى الأفروبيت التي قدّمها.

في حين أنه من الصحيح أن بقايا الإنسان البدائي توجد في أفريقيا، إلا أن مكان وجودها يظل محل اختلاف، فقد اعتقد علماء الآثار لعشرات السنوات وجودها في شرق أفريقيا، لكن هناك أبحاثًا جديدة تعارض نظرية المنشأ الواحد، وهي نظرية تفترض أن أصل الإنسان كان في أفريقيا، وأن أفراده انتشرت من أفريقيا إلى بقية مناطق العالم، بحسب ما أورده الكاتب ديريك بيريس في تقريره لموقع «بيج ثينك».

تعدد المنشأ

تقدم الأبحاث الجديدة نظرة قارية لنشأة الإنسان، والتي بدورها تساعد على إيجاد توافق بين التفسيرات المتناقضة للحفريات الأولى للإنسان العاقل، والتي تتفاوت في الشكل بصورة كبيرة، والتي وُجدت في أماكن مختلفة بداية من «فلورِسباد» في جنوب أفريقيا، إلى «أومو كيبيش» في إثيوبيا، وأخيرًا في «جبل إيغود» بالمغرب.

قول بيريس: إنه «علينا أن نتذكر أن خريطة العالم الشهيرة التي تعلمناها في المدارس مزيفة، وأن أفريقيا أكبر من أمريكا الشمالية بأكملها، وأن علينا أن نأخذ بنصيحة فيلا بأن أفريقيا هي مركز كوكبنا». وأشار بيريس إلى المنظور التالي في تناول حجم قارة أفريقيا.

لم تكن أسطورة المنشأ الواحد واضحة ودقيقة أبدًا، بحسب ما ذكره المؤرخ يوفال نوح هراري، مشيرًا إلى أن الأمر لا يقتصر على فجوة جيلية واحدة. يقول هراري إنه كان هناك الإنسان البدائي «نياندرتال» المعروف، وتواجد الإنسان المنتصب القامة في شرق آسيا، واكتُشف وجوده أيضًا في إندونيسيا، والإنسان القزم «إنسان فلوريس» في جزيرة فلوريس، بالإضافة إلى إنسان دينيسوفا في سيبيريا، وكل من إنسان بحيرة رودولف والإنسان العامل في شرق أفريقيا. كما أشار مقال لصحيفة «الجارديان» البريطانية إلى تواجد نوعين آخرين هما: هومو ناليدي، وإنسان هايدلبيرغ في أفريقيا منذ أكثر من 200 ألف عام. لكن ماذا حدث لهؤلاء؟ يرى هراري أننا ربما نكون قد قتلناهم.

تعتقد الدراسة، التي نُشِرت في دورية «Trends in Ecology & Evolution»، أن البشر كما نعرفهم تطوّروا بشكل مستقل في جميع أنحاء قارة أفريقيا في أوقات مختلفة، مُقسَّمين بحدود بيئية تجعله من النادر، لكن ليس مستحيلًا في الوقت ذاته التقاء أحد هذه المجموعات بالآخرين.

تشير عالمة الآثار في جامعة أكسفورد والباحثة الرئيسة في الدراسة، إليانور سكيري، إلى أنه من المرجح التقاء هذه المجموعات بعضها ببعض عندما يسمح المناخ، لكنهم ينفصلون مرة أخرى. وأشارت سكيري إلى أن هذه الحواجز أدّت إلى ظهور الهجرة، وفرص الاتصال للمجموعات التي سبق انفصالها، وأن التقلبات اللاحقة قد تعني أن المجموعات التي اختلطت لفترة قصيرة باتت منعزلة مرة أخرى.

إعادة كتابة التاريخ

وقد استعان الباحثون بتخصصات متعددة في هذه الدراسة؛ لأن – حسبما ذكروا – التطور معقّد، فالعثور على جمجمة بشرية واحدة أقدم من غيرها لا يعني بالضرورة أنها هي الأصل. وأوضح الكاتب أن هذا يعني أن ظهور الثقافة، وهي واحدة من صفاتنا الفريدة التي تميزنا عن جميع الحيوانات، من الممكن أن يكون قد تمّ بشكل منفصل أيضًا؛ مما يفرض علينا مواجهة أسئلة مثيرة للاهتمام حول بداية الوعي الخاص بنا.

يرى هراري أننا أنشأنا أسطورة الأصل الواحد على الأرجح لإخفاء العنف المتأصل في ماضي أجدادنا، قائلًا: «أي مدرس تاريخ أو أحياء يمكنه أن يخبر طلابه أننا فزنا في معركة الأنواع ليس من خلال ترويض الماشية والكلاب وتطبيق الزراعة على نطاق واسع، لكن عن طريق القتل، وربما أكل الأنواع القريبة لنا».

أوضح الكاتب في نهاية التقرير أن الدراسة الجديدة المذهلة سوف تساعدنا على إعادة كتابة علم الآثار، وعلم الإنسان، وعلم الأحياء التطوري من جديد، وأن فيلا لم يثبت خطؤه بعد.