الخطة «ب» الإيرانية في مواجهة العقوبات الأمريكية

حوار الأفكار- ستراتفور

لم يعد الحديث حول مسألة تغيير إيران لكيفية الرد على انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي يدور حول ما إذا كان هذا التحول سيحدث أم لا.

وبنت إيران مقاربتها في البداية على استعداد الدول الأخرى للرد على واشنطن ومواصلة شراء النفط من طهران بعد أن تدخل العقوبات الأمريكية حيز التنفيذ في 4 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.

لكن هذه النتيجة تبدو غير محتملة الآن، ونتيجة لذلك، من المرجح أن تتحول إيران إلى رد أكثر حدة، بما في ذلك ربما الانسحاب من خطة العمل المشتركة الشاملة، وحتى إعادة تشغيل برنامجها النووي، لكسب النفوذ في المحادثات المستقبلية مع الولايات المتحدة.

وبعد أن غادرت الولايات المتحدة خطة العمل المشتركة الشاملة في شهر مايو/أيار، لجأت إيران إلى الاتحاد الأوروبي للحصول على ضمانات بأنها ستستمر في جني الفوائد الاقتصادية التي منحتها الاتفاقية النووية إياها.

لكن عودة العقوبات الأمريكية جعلت من الصعب على الكتلة الالتزام بهذه الضمانات، ومع تزايد الضغوط الاقتصادية على إيران، فإن الجمهورية الإسلامية سوف تعيد تقييم استراتيجيتها، وتبحث عن نقطة قوة يمكن استخدامها في محادثات في نهاية المطاف مع الولايات المتحدة.

صدمة العقوبات

بالنسبة لإيران، تسبب العقوبات الأمريكية ألما كبيرا، وحتى الآن، يبدو معظم حلفاء الولايات المتحدة مترددين في تحدي تلك العقوبات.

وخلال رحلة إلى أوروبا أوائل هذا الشهر، لم يتمكن الرئيس الإيراني «حسن روحاني» من الحصول على الضمانات التي يريدها لتأكيد ارتباطه المستمر بالقطاع المصرفي الأوروبي. ثم في 12 يوليو/تموز، أعلن بنكان يابانيان، بما في ذلك أكبر شركة مصرفية يابانية، وهي «ميتسوبيشي يو إف جي»، أنهما سيتوقفان عن معالجة المعاملات المالية الإيرانية بمجرد سريان العقوبات.

علاوة على ذلك، تبدي واشنطن اهتماما ضئيلا بمنح الإعفاءات للسماح للدول باستيراد النفط الإيراني بكميات مخفضة. ويعني هذا أن صادرات إيران من النفط إلى حلفاء الولايات المتحدة، مثل اليابان وكوريا الجنوبية وبعض دول الاتحاد الأوروبي، قد تنخفض إلى الصفر.

وأوضحت شركات التكرير اليابانية أنها ستتوقف عن استيراد النفط من الجمهورية الإسلامية بحلول أوائل أكتوبر/تشرين الأول، بينما بدأت دول أخرى مثل الهند خفض حصتها. وانخفضت صادرات إيران من النفط من 2.6 مليون برميل يوميا الى 2.3 مليون برميل يوميا في يونيو/حزيران.

وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة لم تستبعد بعد منح بعض الإعفاءات، إلا أنه أصبح من الواضح بشكل متزايد أن واشنطن تتبع استراتيجية متطرفة ضد إيران، وأن النفط جزء أساسي من تلك الاستراتيجية.

وقررت الولايات المتحدة بالفعل عدم إصدار إعفاءات للاتحاد الأوروبي. ومع ذلك، تدرس الكتلة السماح للبنوك المركزية للدول الأعضاء بالعمل بشكل مباشر مع إيران، للحفاظ على بعض الحوافز من أجل بقاء طهران في خطة العمل المشتركة الشاملة. وزار وفد أمريكي تركيا والهند الأسبوع الماضي، للدفع باتجاه امتثالها كذلك للعقوبات.

والآن، بعد أن عاد إنتاج ليبيا من النفط للسوق، أصبح لدى الولايات المتحدة مساحة أكبر من أي وقت مضى لرفض طلبات حلفائها بالحفاظ على استيراد النفط الإيراني. وحتى الصين، المنافس التجاري للولايات المتحدة، لم تلتزم بالحفاظ على واردات النفط من إيران.

وإذا استمر هذا الاتجاه، فقد تنخفض صادرات النفط الإيرانية بمقدار 1.6 مليون برميل في اليوم بحلول منتصف العام المقبل، وهو انخفاض يزيد كثيرا عما كان متوقعا في البداية.

ومن المرجح أن يكون الضغط أكثر مما تستطيع إيران تحمله على المدى الطويل. وكان اقتصادها في وضع قاس قبل أن تغادر الولايات المتحدة خطة العمل المشتركة الشاملة. وبين أكتوبر/تشرين الأول إلى أواخر يونيو/حزيران، انخفضت قيمة الريال الإيراني من 40 ألف ريال مقابل كل دولار إلى ما يصل إلى 90 ألف ريال مقابل الدولار.

وعلاوة على ذلك، أدت الزيادات الحادة في أسعار المواد الغذائية، في نهاية عام 2017، إلى اندلاع احتجاجات امتدت إلى العام الجديد. ومع تضاؤل عائدات النفط في البلاد، فإن الاستياء سوف يزيد بلا شك. وتدرك إيران، التي تعلم تمام العلم هذه المخاطرة، أنه يتوجب عليها عاجلا أم آجلا أن تعود إلى طاولة المفاوضات وإما تعاني الانهيار الاقتصادي.

التفاوض بشروط طهران

وعندما تفعل ذلك، تريد الحكومة الإيرانية أن تتأكد من أن سياساتها الإقليمية والدفاعية، بما في ذلك دعمها للميليشيات الإقليمية مثل «حزب الله»، لا يتم التطرق إليها في المحادثات مع الولايات المتحدة.

وقد تمكنت طهران من الحصول على تأكيدات من واشنطن خلال المناقشات حول خطة العمل المشتركة الشاملة بين عامي 2013 و2015 بأن الولايات المتحدة لن تتابع تغيير النظام في إيران، كما لم يتعين عليها التخلي عن برنامجها للصواريخ البالستية وبرامج الإنترنت، أو أنشطتها في الخليج العربي، أو دعمها لمجموعات الوكلاء.

وسوف تقاوم إيران التنازل عن هذه القضايا في المفاوضات المستقبلية مع الولايات المتحدة، على الرغم من حقيقة أن إدارة الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» تركز على الحد من استراتيجيتها الإقليمية.

وتحقيقا لهذه الغاية، ستنظر طهران في استئناف اختبارات الصواريخ الباليستية بعيدة المدى، ومضايقتها للسفن الأجنبية، بما في ذلك السفن الأمريكية، في الخليج العربي، وأجزاء من برنامجها النووي. وقد بدأت التطورات تظهر بالفعل في هذه الجبهات؛ حيث هدد الحرس الثوري الإيراني مؤخرا بغلق مضيق هرمز، بينما أمر المرشد الأعلى آية الله «علي خامنئي» بتوسيع قدرة إيران على تخصيب اليورانيوم.

ومن شأن إعادة تشغيل هذه البرامج أن يمنح إيران شيئا ملموسا للتفاوض حوله مع الولايات المتحدة في المفاوضات حول العقوبات، دون التضحية بالجوانب الأكثر أهمية في استراتيجيتها الدفاعية. وبقيامها بذلك، لن تنتهك إيران بالضرورة شروط خطة العمل المشتركة الشاملة، لأنها قد تجادل بأن أهداف برنامجها النووي سلمية، وأن أنشطتها الأخرى تهدف إلى الدفاع عن النفس.

ولا يزال يتعين على طهران أن تسير بخفة لتفادي عقوبات أشد من الولايات المتحدة، أو عودة عقوبات الاتحاد الأوروبي. لكن في الوقت الذي تقيد فيه الولايات المتحدة اقتصاد إيران وخياراتها للتجارة مع الاتحاد الأوروبي، سيكون لدى إيران سبب أقل للقلق بشأن معاداة الاتحاد الأوروبي. وفي حين أنه من المحتمل أن تهتم اللجنة بعدم انتهاك شروط خطة العمل المشتركة الشاملة بشكل واضح، إلا أنه من المرجح بشكل متزايد أن تحصل إيران على تسهيلات في بعض جوانب برنامجها النووي على الأقل.

ويتمثل التحدي الذي يواجه إيران في أن أي إجراء بشأن برنامجها النووي سيعطي إدارة «ترامب» مزيدا من الذرائع لاستخدامها ضدها، وقد يدفع حتى إلى توجيه ضربات جوية أمريكية أو إسرائيلية ضد أهداف تكتيكية إيرانية.

ومن ناحية أخرى، إذا دخلت طهران في مفاوضات من دون ورقة مساومة حاسمة، فقد يتعين عليها الخضوع لمطالب أمريكية أخرى بشأن برنامجها النووي، مثل فرض حدود أعلى على تخصيب اليورانيوم، أو التنازل عن استراتيجيتها الإقليمية.

في انتظار الانتخابات القادمة

وبالنسبة للرئيس الإيراني، سيكون من الصعب تجاوز هذا المأزق. ولقد عجز «روحاني» عن الوفاء بالوعود الاقتصادية التي وعد بها في انتخابات عامي 2013 و2017، الأمر الذي دفع الرئيس لاتخاذ موقف أكثر تحفظا لدرء الانتقادات من جانب المتشددين الإيرانيين.

ومع العلم بأن طهران ستعود في النهاية إلى المحادثات مع الولايات المتحدة، سيحاول الحرس الثوري الإيراني، والفصائل المحافظة الأخرى، توسيع نفوذهم السياسي في إيران؛ لضمان حصولهم على مقعد على الطاولة.

وأخذت وزارة الخارجية والسياسيون المعتدلون الصدارة في الجولات السابقة من المناقشات في عامي 2013 و2015، حيث قاموا بتهميش المجلس الأعلى للأمن القومي، وهو جهاز يهيمن على جهاز المخابرات والجيش.

وللحصول على مكان في المحادثات المستقبلية، سيواصل «الحرس الثوري» محاولته تشويه سمعة «روحاني» وتهميشه في البرلمان، وفي المؤسسات الإيرانية غير المنتخبة، وفي الشوارع. حتى أنه هدد بإقالة الرئيس، على الرغم من أن إزاحة «روحاني» عن منصبه سيترك للمحافظين مسؤولية تحمل مشاكل البلاد الاقتصادية، وربما يلحق ذلك الضرر بهم في الانتخابات القادمة، وإذا ما نجحت جهودهم في الفوز بالرئاسة في عام 2021، فإن الجولة القادمة من المفاوضات مع الولايات المتحدة ستُلعب بشكل مختلف عن ما كان في آخر عامين.

وبغض النظر عن كل ذلك، من المحتمل أن تحاول الحكومة الإيرانية تأجيل المفاوضات مع الولايات المتحدة إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية المقبلة في عام 2020، على أمل ألا يفوز «ترامب» بفترة رئاسية ثانية.

ومن المرجح أن يكون رئيسا من الحزب الديمقراطي أقل عدوانية تجاه إيران، بل وربما يؤكد التزامه بالاتفاق النووي، متجاهلا بعض جوانب الاستراتيجية الإقليمية، كما فعلت إدارة الرئيس السابق «باراك أوباما». وتكمن الخدعة، بالطبع، في تحمل ضغط إدارة «ترامب» في هذه الأثناء.

وإذا استمرت الأوضاع الاقتصادية في إيران في التراجع، فإن الاحتجاجات الكبيرة، مثل تلك التي حدثت في وقت سابق من هذا العام، أو مثل الحركة الخضراء عام 2009، قد تتفجر من جديد. وفي المقابل، سيحاول الحرس الثوري الإيراني قمع الاضطرابات العامة، في الوقت الذي يحاول فيه السيطرة على النظام السياسي.

ولكن إذا فشل، فإن تهديد الانتفاضة الشعبية قد يكون كافيا لإجبار الحكومة على تسوية المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن القضايا التي كانت تعتبرها ذات يوم خطوطا حمراء.

الخليج الجديد 25/7/2018