يغتال حبيبته ويقتل أخاه ويعيش التمزق بين الحاكم والإنسان

حوار الأفكار-فيصل عبد الحسن- العرب اللندنية

اختار الكاتب المغربي حسن أوريد السَّرد الروائي ليقدم من خلاله ذكريات حاكم يحتضر، وليضعنا على مفردات حياة أهم حكام الأندلس الحكم بن عبدالرحمن الناصر (915 ــ 976 م) ممن حكموا قرطبة، في روايته الجديدة “ربيع قرطبة”. وقد تناول بطله في سرد مباشر ليرينا ما يعيشه أمراء ذلك العصر، ابتداء من الولادة ومرحلة الطفولة، والمراهقة وخلال فترة الشباب بعد توليه ولاية العهد. وعمل الروائي على شقين في شخصية الناصر: الإنسان العادي الذي يؤلمه ما يؤلم الناس، والشق الآخر، الخليفة الذي لا تهمه إلا هيبته، وبقاء أمره في أولاده، كما جاءت إليه من أبيه وجده.

امتاز السَّرد بتداخل تيار الوعي للأبطال، مع تداعيهم، وحواراتهم اليومية من خلال ما يعيشه الناصر من أحداث. فهو يبدأ بالطلب من جوذر أحد مرافقيه، وكان الخليفة قد أصيب بالفالج، ودنت نهايته: أن يسوِّي له الفراش ليرى جبل الفردوس، وليتنسم نسمات قرطبة الباردة، وأن يزيح عنه الأغطية الثقيلة.

لحظات التَّجَلِّي الصادقة تبدأ قبل الموت بساعات أو قبل أيام، فلم يعد للمرء ما يخشاه أو ما يطمع به من الحياة. أما الساعات الأخيرة للحاكم فغالبا ما تكون مملوءة بصور ملذات تنعم بها، وجميلات مررن بحياته. يستعيد أيام فرحه وأنسه، ومرائي لقصوره الفخمة، وصورا أخرى لضحاياه من معارضيه، ولأولئك الذين ماتوا دفاعا عن سلطانه أو لتسليته فقط. وقد اختار الروائي المغربي حسن أوريد هذه اللحظات محورا لروايته الجديدة.

سافر الكاتب عبر الخيال إلى مراحل حياة الناصر المختلفة، وخلال هذه الرحلة الضاجة بالأحداث كشف الكثير من أسرار قصر الخلافة الأموية بالأندلس، ومر على العديد من المحطات التي تغلب فيها الخليفة على الإنسان.

يحكي الناصر لمؤرخه زيري عن غرامه المشبوب بـ”هند” الفتاة الجميلة، لكن والده الخليفة يقرر أن يزوجها من أخيه عبدالمالك، وهو يعرف أن الناصر من يهواها ويذوب عشقا فيها.

الحرمان من هند كان تمرينا لولي العهد لتبوء سدة الحكم، وحين سأله ولده وولي عهده “لماذا يا أبتاه؟” قال له إنه تدريب أولي لقتل الإنسان فيك، وإحياء الخليفة، العصي على العواطف والأهواء. وبعد شهور قليلة طلب منه أبوه أن يبلغ أخاه عبدالمالك بحكمه عليه بالموت.

ولم يكتف بذلك بل أجبر ولي العهد على حضور تنفيذ الحكم بأخيه. ورأى أخاه يتوسل أباهما العفو، وولي العهد يقف في حضرة الخليفة يرتجف من الخوف على أخيه، والجلاد أمامه، وهو يرفع السيف ليحتزَّ به رأس أخيه. كان الحزن يكاد أن يشلَّ كل أعضائه متسائلا مع نفسه “كيف للأب أن يأمر بقتل ابنه، مهما بلغت جريرة الابن؟”، وكان يجيب نفسه “الخليفة ليس الأب. الخليفة مؤسسة لا علاقة لها بالأبوة والعائلة”.

وتناول الروائي جانبا آخر من حياة الناصر، صداقاته منذ طفولته، وحتى نهاية عمره مع صديقيه جعفر وباشكوال. وأثبت خلال سرد مقنع “خطأ مفهوم الناصر حول عزل جوهر الإنسان عن مؤسسة الخلافة، فهما في النتيجة واحد”. فقد أنقذه صديقه باشكوال من موت محقق حين تعرض لهجوم أفعى ضخمة في رحلة صيد حين كان وليا للعهد.

وقعت صبح زوجة الخليفة الناصر في غرام شاب وسيم ــ مؤدب ابنها ــ ومهدت لعشيقها نيل المناصب الرفيعة في الدولة، فحاك مؤامرة تسميم ابنها ولي العهد الطفل عبدالرحمن لنباهته، فمات مسموما، حتى يقضي على طموح الخليفة الناصر وحبه للحياة، والسلطة. وتركه يغرق في أحزانه الأبوية على فقيده، وأثناء ذلك جمع من حوله مسؤولي الدولة ورجالها المهمين تحت عباءته. وصارت خلال فترة قصيرة كل أمور قرطبة بيديه من دون أن يشعر الخليفة بحقيقة ما يجري في دولته.

أحداث الرواية اعتمدت التاريخ الحقيقي، ليتحدث ساردها عن الأندلس، وعن قرطبة عروس المدن، وخفايا لياليها
أحداث الرواية اعتمدت التاريخ الحقيقي، ليتحدث ساردها عن الأندلس، وعن قرطبة عروس المدن، وخفايا لياليها

وحين عرف من هند حبيبته السابقة، وأرملة أخيه، أن زوجته صبح تخونه مع ابن عامر وزيره المعتمد، يكون الخليفة قد انتصرعلى الإنسان داخله، فلم تهمه تلك الخيانة الخطيرة. فقتل الواشية هند لكي لا تفشي خيانة زوجته للناس، لأن خطر ابن عامر استفحل، ولا يستطيع أن يعاديه مباشرة. فيهدد مؤسسة الخلافة بالتمزق، ولذلك، حاول أن يعمد إلى سياسة توازن الأطراف المتناقضة “قائد جيشه وقاضي قرطبة، وابن عامر الوزير المعتمد” ليحافظ على نفسه وحكمه. ونجح في هذا، ولكن إلى حين وفاته. وعندها استولى ابن عامر على الدولة، وحجز هشام ولي عهد الناصر في سجن انفرادي وتركه يموت فيه.

استخدم الروائي قاموسا لغويا يمت لذلك العصر، فنقرأ كلمات وأفعالا لم نسمع بها، كتسميات: الزاملة أي البغلة القوية، والغيضة أي الأجمة، والبيضة وتعني الخوذة، والذُّحل أي الحقد المستتر والعشرات من الكلمات الأخرى، التي استخدمت في الموروث العربي في القرن التاسع الميلادي. ليعطي سرده واقعية تقرب شخصياته من القارئ، وتجعله يرى ما تراه ويسمع ما تسمعه.

ولم يكتف بالقاموس اللغوي القديم بل ووضع قصائد قيلت في تلك العهود لشعراء وأسماء معروفة كأبي علي إسماعيل القالي، الذي هاجر من بغداد إلى الأندلس في عهد الحكم الناصر وتوفي بقرطبة 975 م وغيره. وكانت وقتها قرطبة قبلة العالمين الأوروبي والعربي. وزامن عهده في المشرق خلافة عباسية ضعيفة تقبع تحت هيمنة البويهيين.

أحداث الرواية اعتمدت التاريخ الحقيقي، ليتحدث ساردها عن الأندلس المضيعة، وعن قرطبة عروس المدن، وخفايا لياليها وحكى عن قصر الزهراء، وذكرياته السعيدة، وأسرار ساكنيه، ومؤامراتهم وقصص عشقهم، وسفارات الأوروبيين إليه، والحفلات الليلية الباذخة التي كانت تقام فيه لإبراز هيبة الخلافة.

استطاع حسن أوريد أن يقدم كل ذلك الجمال من خلال لغة مقتصدة، وصور شعرية لا تنسى. حلَّل فيها الصراع بين قوانين مؤسسة الحكم في شخصية الحاكم العربي، كالعدل وهيبة الحاكم والإدارة، وإلى جانبها العواطف الإنسانية الكامنة فيه، كالوفاء والحب والبغض والخيانة. وقد صدرت الرواية عن المركز الثقافي العربي بالدار البيضاء.