كيف يمكن رسم معالم الرواية العراقية الجديدة؟

حوار الأفكار- العرب

في كتابه “سرد بوصفه شغفا: عن الرواية وآفاقها”، الصادر مؤخرا عن دار الشؤون الثقافية في بغداد، يحاول الكاتب حميد الربيعي الوقوف على الملامح الخاصة للرواية العراقية الجديدة وما يميزها عما سبقها من روايات عراقية.

الغرائبية والتهميش

يطل الربيعي، وهو روائي وقاص من جيل الثمانينات من القرن الماضي في العراق، على عالم الرواية وآفاقها من زاوية الشجون التي تعترض مسيرتها، فيتناول من جهة مسألة تسمية “المدرسة السردية”، ويرى أن “الواقعية الغرائبية” من أقرب التسميات، كونها تتطابق مع الواقع العراقي لما يعتريه من إشكالات بنيوية في تركيبة المجتمع، وما رافق العملية السياسية بعد الغزو الأميركي للعراق عام 2003، ذلك أن غربة المواطن في البلد وعدم التآلف والانسجام بين مشاعره ووجدانه مقابل الكوارث الاقتصادية والاجتماعية يجعلانه أقرب إلى الشعور بأن بونا شاسعا يعتري وجدانه ويقصيه.

في مجال آخر يلقي صاحب رواية “أحمر حانة” الضوء على ما واجه نهوض الرواية العراقية، خاصة في مرحلة نضجها، من إغفال وسائل الإعلام لها وإهمال متعمّد من طرف المؤسسات الحكومية، ما جعل من جهد الروائيين مضاعفا في تسويق إنتاجهم محليا أو خارجيا. ففي الكتاب ثمة إشارات جلية إلى نوعية هذا الإهمال، وتسليط الضوء على التركيبة السياسية للإعلام العراقي وعدم جديته في التعامل مع الحراك الثقافي في البلد، وافتقاره إلى الخبرة في صناعة النجوم، رغم فوز أسماء مهمة في السرد بجوائز عربية وعالمية مثل “البوكر” و”كتارا” و”جائزة نجيب محفوظ”.

 قسّم الربيعي الكتاب إلى قسمين وسبعة عشر مبحثا ركّزت على السرد في تمظهراته الجمالية والأسلوبية والدلالية، وحملت مجموعة عناوين منها “الواقعية الغرائبية مدرسة للسرد”، “ميتا سرد حوادث التاريخ”، “المحظور والمتخيّل في الرواية”، “بنية السرد وتحريكه”، “أسطرة المكان وأنسنته”، و”السرد وثيقة اجتماعية”.

الروايات العراقية الجديدة ترفع راية {الواقعية الغرائبية} تماشيا مع واقع العراق
الروايات العراقية الجديدة ترفع راية “الواقعية الغرائبية” تماشيا مع واقع العراق

تناول الباحث في القسم الأول العناصر الفنية للرواية سواء من ناحية تحريك النص السردي ليتجاوب مع متطلبات المرحلة أو إضاءة جوانب مهمة في البنية لم يتداولها كتاب السرد بوضوح، منها مثلا التداولية في اللغة أو المحظور والمتخيل ومتعة القراءة أو ميتا سرد التاريخ.

ويقف الربيعي في هذا القسم على المعادلة الدقيقة التي يواجهها السارد في تناوله لحدث تاريخي، من ناحية كيفية التعامل مع الأرشيف التاريخي ونوعية الرؤية التي يجب أن يتخذها الكاتب في الرواية.

 ويؤكد هنا أن التاريخ ليس كله صالحا للسرد، لكن انتقاء المادة وطريقة معالجتها فنيا هما الأهم، حيث أن رواية ما بعد الحداثة تتيح للمؤلف حرية تحريك شخوصه، أو طريقة القص، أو التوقف عن الإيهام الذي يتلبس به القارئ للمادة التاريخية، من خلال تقنية الميتا سرد التي يتعدد فيها الرواة.

تفكيك المرويات

إلى جانب موضوعة التاريخ، يأخذنا المؤلف إلى مرويات الموروث، التي رسخت في الوجدان الجمعي للشعوب، وأصبحت مادة أساسية في تحريك الناس أو إثارة المشكلات كما نرى الآن في التطرف الديني والمذهبي، فالمرويات الكبرى التي وصلتنا تتطلب تفكيكها وإزاحتها لما سببته من إشكالات اجتماعية وسياسية حالت دون تطور المجتمعات العربية، ولا بد من إزالتها بسرديات جديدة تجعل من الإنسان وذاته مركز الاستقطاب والأهمية. ويذهب الربيعي إلى أن هذه الظاهرة تحتاج إلى تضافر جهود الكثير من المؤسسات على مرّ الأيام، ويضرب مثلا عليها في العراق بمواضعات الأعياد والأفراح والأحزان في تركيبة المجتمع.

في القسم الثاني يقدم الكتاب مقاربات نقدية لخمس روايات عراقية ومثلها روايات عربية وعالمية، من خلال دراسة مقارنة بين رواية “مخيم الموراكة” للروائي العراقي جابر خليفة جابر ورواية “الخيميائي” للروائي البرازيلي باولو كويلو، من جهة “البحث عن الآخر”، وثيمة الرواية في تناولها له وكيفية التعامل معه، سواء بالذهاب إليه كما في رواية “الخيميائي”، أو بالدخول إلى عقر داره كما فعلت رواية “مخيم المواركة”.

وفي مقاربة أخرى يجمع الربيعي بين رواية “المسكوبية” للروائي الفلسطيني أسامة العيسة، ورواية “عمكا” للروائي العراقي سعدي المالح  في “أسطره المكان”، فالأولى تسلط الضوء على بناء السجن/ الخان القريب من القدس، والثانية تحاول أن تؤسطر منطقة عينكاوا القريبة من مدينة أربيل.

خلاصة ما يمكن قوله عن هذا الكتاب إن الموضوعات التي تناولها فيه حميد الربيعي تغوص في شجون الرواية العراقية، في محاولة حريصة على رسم بعض معالم السرد الروائي الجديد في العراق، الذي يسعى كتّابه إلى تشكيل هوية خاصة به.

يذكر أن حميد الربيعي روائي وقاص صدرت له خمس روايات؛ “سفر الثعابين”، “تعالى وجع مالك”، “جدد موته مرتين”، “دهاليز الموتى”، “أحمر حانة”، ومجموعة قصصية بعنوان “تل الحرمل”.