طريقُ الآلام.. رحلةُ الموت السوري

61-300x214-300x214

عبد الله مكسور – مجلة رؤية سورية ع23/ أيلول 2015م

كيفَ وصلتَ إلى هنا ؟.

سؤالٌ تلقَّاهُ آلافُ السوريين بمجرَّدِ وصولِهِم إلى أماكنَ آمنةً يضعوا في زاويةٍ منها بصماتِ أصابِعم العشرة، تاركين في ملفِّهِم صورةً آنيَّةً تختصِرُ آلامَ الطريق و وحشته، تعدّدت الطرق و المنافذ، و تعدّدت معها طُرُق الوصول بين الجو و البر و البحر، لكلٍّ من الواصلين قصَّةٌ اختزن فيها كلَّ ما يُمكِن تخيُّلُه.

سأحكي قصَة وصولِهِ إلى هنا، هنا تعني مكان ما في القارة العجوز، في مكانٍ ما من هذه الأرض التي وصلها في السادس من تشرين، أكتوبر لعام 2014، السادسُ من تشرين الذي سكَنَ في عقلهِ الباطنِ يوماً للمعركةِ على الأرضِ المُحتلَّة، كان لحظةَ وصولهِ  يوماً لوقوف المسلمين على صعيد جبل عرفات الطاهر إيذاناً ببدء الحج!.

البدايةُ الصعبة:

قالَ لي إنَّ البدايةَ من اسطنبول، ففيها لا يحتاجُ السائلُ أكثر من نظرةٍ واحدةٍ ليعرِفَ أماكنَ تواجدِ المهرِّبين، ساحة أكسراي، مقهى وطن، شارعُ الاستقلال، الفاتح، ما معهُ من المال لا يكفي،  سوريٌّ قد استنزفتهُ الحربُ بكل أشكالها ، حرب الطائرات و حربُ الأوراق الثبوتية ، في اسطنبول لهُ جذور و أهل ، لا مدينةً في الأرضِ إلا و يستطيع السوري أن يجدَ فيها مكاناً أو أهلاً ففي زمن القتلِ و التشريد صار لنا في كل مكانٍ عائلة. .

الفنادق الرخيصة ستكون المحطَّةَ الأولى و معها سيبدأ بالاعتياد على أساليب جديدة في الحياة ، لن تُشبِههُ مهما حاولَ التأقلُم معها، أبو خالد ، أبو ناصر ، أبو موسى ، ثائر ، أحمد ، كلّها أسماء وهمية لأشخاصٍ امتهنوا ما بات يُعرَفُ بالتهريب، التهريب أيضاً مهنةٌ نتجت عن الحرب ، ستسمعُ عن قصص البطولات الخاصة برجلٍ هزيلٍ أمامك، ميزتهُ الوحيدةُ أنَّهُ يُدخِّن كثيراً و يكذب أكثر، سيلتقيكَ بأماكن مُتعدِّدة تبدأ بالمقاهي الصغيرة التي تنتشر على أطراف ساحة تقسيم و شارع الاستقلال في اسطنبول ، وصولاً إلى شارع وطن و أكسراي في المدينة ذاتها ،دائماً سيُخبِركَ أنَّه يعمل بهذه المهنة لخدمة السوريين الهاربين من الحرب و أنَّه حتماً فقدَ أباً أو أخاً أو أُمَّاً أو أختاً في تلك الجولات المُتسارعة ، ربَّما سيتطوّرُ به الحال ليتحدَّث لك عن اعتقاله خلال أيام المظاهرات الأولى في حمص أو الشام أو درعا أو حماه ، و أنَّه لا ناقة له و لاجمل في كل هذه المصلحة سوى أنَّه يخدم السوريين !! .

ستسأله أنت عن المبلغ الذي يريد فيبدأ بعرض الأساليب المُتاحة و الطرق الممكنة ، أوَّلاً من مطار أتاتورك بأوراقٍ مزوّرة ” مضروبة” أو جواز شبيه بعد أن يزمَّ عينيه وسط الدخان ليتفحَّص ملامحك جيِّداً مُحاولاً تذكُّر امتلاكَهُ لأوراقٍ عديدة لجنسيات أوربية تُشبهك أنت القادم من الشرق !! ، ستسمع الأيمان الغليظة عن عدم فائدته من كل هذه القصة و لكنّه لخدمتك فقط ، 10 آلاف يورو أوربي ، ستتفاجأ بالرقم و تبدأ بنزاله لخفض المبلغ فيُقسِم أنَّه ليس له ، هو يخدمك فقط لا أكثر ، تسعة آلاف يورو ، ثمانية آلاف ، سيوافق في نهاية المُطاف على سبعة آلاف و خمسمائة يورو أوربي لا غير ، ليطلب منك فوراً أن تذهبَ إلى طاشكان في أكسراي لتضع المبلغ هناك و تستلم ما يُعرَفُ هناك بالشيفرة السريَّة التي ستُسلِّمها للمهرّب بمجرَّد وصولك إلى البلاد التي تُريد ، عشرة أيامٍ فقط سيكون خلالها قد استنفذ كل قدراته في الكذب و التأجيل و التسويف ، ستصل إلى لحظةٍ تتمنّى أن تخرج بها من تلك الدائرة بأي ثمن و لن تستطيع فأنت دخلت اللعبةَ و عليكَ اكمالها حتى النهاية ، إنه الطريق الذي قررت أن تمشيه كاملاً مهما كانت الصعوبات فيه .

الخطَّةُ البديلة:

ستعودُ تبحثُ عن منافذَ أخرى، إنَّهُ البحر،هناك قاربٌ ممتاز سينطلق بعد أيام من بودروم ، الرحلةُ من بودروم إلى كوس لا تتجاوز عشر دقائق كما يقول المهرِّب، هو قال بالضبط تسع دقائق و نصف!، يتابعُ الراوي، ركبنا الحافلة من اسطنبول بعد أن وضعنا الوديعة المالية في مكتب السعيد بأكسراي في الطابق الثاني من سوق طاشكان الأثري، الرحلةُ من اسطنبول إلى بودروم تتجاوز الخمسة عشرة ساعة، تتذكَّرُ فيها كلَّ ما كان، لديكَ فائضٌ من الوقت لتتذكَر فقد رميتَ كلَّ شيءٍ خلفَكَ و مضيت، أبواب بودروم أمامك، تستلُّ هاتفك و تتصل برقمٍ أخذتَهُ مُسبقاً برقمٍ أعطاهُ لكَ المهرِّب لرجلٍ آخر ينتظركَ في بودروم، أبو خالد، أبو سعيد، الحوت، علي تمساح، أسماءٌ وهميَّةٌ أيضاً، هنا لا تهمُّ الأسماء أو أماكن الولادة، إنَّها صفقةٌ تعيشُ منها الطفيليَّاتُ على جسدِ الضحيَّة، يردُّ الطرفُ الآخر عبر الهاتف بتثاقل، يطلبُ منك فوراً ألّا تتصل بهِ أبداً مرةً أخرى حتى يعود هو بعد اكتمال القادمين المُنتَشِرين في شوارع بودروم، في الحادية عشر مساءً بعد يومٍ طويل، يرنُ هاتفكَ الذي قاربت بطاريّتهُ على النفاذ، كلمةٌ واحدة، تحركُّوا إلى نهاية طريق مركز البترول، ينتقلُ الجميع بعد أن يتأكّدوا أنّ لا شرطةَ في المكان، سيَّارةٌ في الظلام تنتظرُ، يركبُ بها ما سيُصطَلَحث على تسميَتِهِم في ما بعد “النفرات”، تركضُ السيارة في ظلام الليل كحصانٍ جامح، تمنيَّاتٌ بالسلامة من الجميع، حالةٌ من التوتُّر، تمرُّ الساعات، بين الصخور ينتشر النفرات منتظرين القارب الصغير الذي يأتِ بعد عناءٍ ليحمِل الراحلين.

عبور البحر:

كانت ليلةَ الثاني عشر من آب، أغسطس، في تمام الثانية و النصف فجراً، تحرَكَ القارب، جلس الجميعُ متوثِّبين فوق بعضهم، لامكان للمستقبل، إنَّهُ الحاضرُ العبثي، يقودُ القاربَ واحدٌ من النفرات، ساعةٌ أو أكثر و لا جزيرةَ في الأفق، لقد أخطأ الطريق، تلعن الحظَّ، و لكن لا مناص هنا، فالبحرُ ككتيبةٍ عسكريةٍ يحاصر المقاتلين،ينفذُ الوقود، لحظاتٌ أخرى عصيبة و ينقلب القارب، يغوص في الماء، يغيب تماماً، و يبقى الراحلون، يصيحون، يستغيثون، لا أحد، لا أحد، تسعَ ساعاتٍ متواصلة، أعادَ فيها شريطَ العُمرِ مرَّاتٍ و مرّات، استنجد بكل شيء، تمسَّكَ بالحياة بينما فقدَها آخرون كانوا على متن الرحلة، قاربٌ انكليزي يقلُّ عائلةً في ظهر اليوم التالي مدَّ حبلاً ليُنجد الغارقين قبلَ أن يُعيد تسليمهم للسلطات التركية.

في الأمنيات:

مركز الأمنيات في بودروم مقراً للإعتقال للخارجين بطريقةٍ غير شرعية، تحقيقات سريعةٍ للناجين من الموت، يومٌ عصيبٌ آخر يمتدُّ حتى مطلع الصباح، بلا طعامٍ و لا لباس بعد أن التهمَ البحرُ كلَّ شيء مرَّةً واحدة، سيبصمُ بكلتي يديه أنَّهُ لن يعيد الكرَّةَ مرَّةً أخرى، و ما إن يخرجَ من باب الأمنيات في الساحة الرئيسية حتى يتصلَّ من هاتفٍ عموميٍّ بصديقٍ في اسطنبول كي ينجِدهُ ببعض المال و أرقامِ مهرّبين، محاولةٌ أخرى بذات الطريقةِ، هذه المرة لن تمسَّهُ الماء، بل سيضعهم قائدُ المركب الكبير أمام كتلةٍ صخريَّةٍ قبل أن يُخبِرهُم أنَّها اليونان و ليغيبَ في ظلام الليل و البحر، مع الصباح سيكتشفُ الراحلون أنَّهُم في تركيا، جزيرةٌ صخريّةٌ صغيرةٌ تقعُ في مواجهةِ بودروم مباشرةً، يلعنون الحظ و لكن لا مفرَّ من العودةِ إلى مركز الأمنيات بعد يومٍ طويلٍ سيأتي في نهايتِهِ خفر السواحل التركي ليقلَّهُم إلى مركز الإحتجاز، إجراءاتٌ سريعةٌ تُماثِلُ ما سبقها بأيّامٍ قليلة، و لتليها محاولةٌ ثالثةٌ بعد أيام أخرى مع مُهربٍ جديد.

الرحلةُ الأخيرة:

من فندقِ طومان باي في بودروم، يوم العشرين من آب، أغسطس، يتحرَّك الجميع، عائلات و شبابٌ و أطفالٌ و نساء، نحو المرسى أمام الشاطئ السياحي حيثُ توقَّفَ يختٌ كبير، هبطَ في قلبِهِ اثنين و خمسين نفراً، كان بينهُم راوي القصَّة الذي شهد تسع ساعاتٍ كاملةً مُختبئاً بين أرجلِ آخرين، حتى وصلَ اليختُ إلى ساحلٍ رمليٍّ ترتفعُ في نهايتِهِ سلسلةٌ جبلية، قالَ لهم سائقُ اليختِ إنَّ القريةَ اليونانية تنامُ خلف الجبل الأوَّل، و بعد أن مضى صعد الجميعُ إلى قمة الجبل ليجدوا جبالاً أخرى ممتدة و لا بَشَرَ و لا تغطيَّةٌ للهاتف الجوَّالِ في المكان، كانت كتلة صخريةً في قلب البحر لا أكثر، بعيداً عن أعين خفر السواحل رماهُم اليختُ و هربَ مُحمَّلاً بنقودِ المُعدَمين، ثلاثةُ أيَّام كاملة قضاها الجميعُ بين السماءِ و الأرض، إلى جوار البحر، و لا أحد، قبلَ أن تكتشِفهم سفينةٌ بعيدةٌ لاحظت لهيب النار التي أضرمَها الناجون على الرمل، في صباح اليوم التالي جاءَ خفر السواحل اليوناني مع قرب انتهاء حياةِ الأطفال ليُعيدوا ضخَّ المياهِ في دورتِهِم الدموية.

في أوربا أخيراً:

إنَّها الحربُ التي دارت رحاها على ساحاتٍ أخرى، هناك تجدُ الإنكسار في عيون الهاربين، لحظاتٌ لا ينساها راوي القصَّةَ الذي وصلَ إلى أثينا في الخامس و العشرين من آب أغسطس بعد يومين من الاحتجاز في جزيرة تيلوس، في أثينا حاول العبور بأوراقٍ مزوَّرةٍ من المطار الرئيسي و من مطارات الجُزُر البعيدة و القريبة، اعتادَ الجلوسَ في مقاهي شارع ” آخرنون” و ” أُمونيا” و ” كاتوباتيسيا” و “سانتيغما” و” فكتوريا” قبل أن يهتدي مع آخرين إلى رحلةِ شاحنةٍ بلغاريةٍ، أخفاهُم سائقُها فوق صندوقِ العدَّةِ بحاجزٍ مُصطَنَعٍ يفصلُ نهاية القاطرةِ عنه بخمسٍ و خمسين سنتيمتر ليمتدَّ على عرضِ الشاحنة، في تلك المسافةِ جلسَ خمسة عشرَ رجلاً، بعضُهُم أصابَهُم الإغماء خلال الرحلة و كادوا أن يفقدوا حياتَهُم، تسعةَ عشرة ساعةً في الشاحنةِ المُغلَقةِ تماماً من اثينا إلى كورفو الإيطالية عبر كومينيتسا اليونانية حيثُ أقلَّت باخرةٌ الشاحنةَ التي اختبأ بها الهاربون إلى الشاطئِ الآخر، كان ذلكَ في السادس من أكتوبر لعام 2014.